اخر الاخبار

قدّرت وزارة الإعمار والإسكان العجز في المساكن بنحو 2.3 مليون وحدة سكنية، مع بلوغ نسبة الاكتظاظ 29.1 في المئة. وفي مقابل العجز، يجري الحديث عن مشروعات تضم مئات الوحدات أو آلافاً محدودة، يتعثر بعضها أو يتأخر إنجازه. وهذه خطوات ضرورية، لكنها تشبه وضع كوب ماء أمام عطش مدينة كاملة.

أما الطريق إلى أحد أهم برامج التمويل السكني، فيبدأ بتقديم سند العقار وإجازة البناء. وهنا تظهر المفارقة: من لا يملك أرضاً، وهو الأشد حاجةً إلى الدعم، يجد نفسه خارج بابه منذ الخطوة الأولى. كما أن توزيع أراضٍ غير مخدومة لا يحل المشكلة، لأن الأرض التي تفتقر إلى الماء والكهرباء والطرق والصرف الصحي قد تتحول إلى عبء إضافي.

أزمة السكن لا تتجلى في نقص الوحدات وحسب. انها أيضا تعبير عن الفوارق الطبقية وسوء توزيع الثروة والأرض. فبعد عام 2003، استولت طغمة الحكم على فيلات وقصور وعقارات عائدة إلى الدولة أو إلى مسؤولين في النظام السابق، فيما استحوذ بعض المتنفذين على عقارات بأثمان متدنية. وهكذا لم ينهب المال العام وحده، بل تركزت ملكية الأرض والعقار كذلك في أيدي المتنفذين، وبقيت الغالبية تحت ضغط الإيجارات والأسعار.

ولم يتجسد الفساد في الاستيلاء على العقارفقط، انما دخل في دورة كاملة. فقد وجدت طغمة الفساد في المال العام منفذاً لغسل الأموال وإخفاء مصادرها. وسبق أن أكد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، في مؤتمر صحفي عقده في 27 تشرين الثاني 2022، أن قسماً كبيراً من الأموال الموجودة لدى المتهم الرئيس في "سرقة القرن" تحوّل إلى عقارات، بينها عقارات مهمة في مناطق بارزة من بغداد.

وهكذا دفع المجتمع ثمن السرقة مرتين: حين نُهبت أمواله، وحين استُخدمت في رفع أسعار البيوت. فلم يعد امتلاك منزل متواضع بعيداً عن متناول الفقير وحده، بل أصبح صعبا حتى على الطبقة الوسطى، التي تواجه بأجورها ومدخراتها أموالاً ضخمة مصدرها الفساد، لا تكترث بالسعر.

وبين من يمتلك أكثر من عقار، وأسرة تنفق معظم دخلها على الإيجار، تتشكل خريطة للمدينة طبقية غير عادلة: البيت عند فئة استثمار ومستودع للثروة، وعند فئة أوسع حلم مؤجل وشرط للكرامة.

وتتجسد الهوة أيضاً في المشروعات الجديدة. فالشقق والفلل تُسوّق غالباً لفئات ميسورة، بينما تبقى المشروعات المخصصة للعمال وصغار الموظفين والكسبة والمتقاعدين والفئات المهمشة محدودة. ذلك ان السوق تبني لمن يستطيع الدفع، ويبقى من واجب الدولة البناء لمن يعجز السوق عن إنصافه.

المطلوب برنامج وطني واسع للإسكان الاجتماعي واطئ الكلفة، يقوم على بناء وحدات جاهزة، وتوفير أراضٍ مخدومة، وتمويل طويل الأجل بأقساط ترتبط بالدخل. وهذا يقتضي أيضاً جرد عقارات الدولة، واستعادة ما ثبت الاستيلاء عليه من قبل الطغمة.

فالسكن ليس سلعة عادية، بل شرط للكرامة والاستقرار. والمدينة التي تتكاثر فيها القصور والفلل، بينما يضيق فيها المكان بالعامل والفقير، لا تعاني مجرد أزمة بناء، بل تعاني أزمة عدالة.