تواجه النساء المصابات بالأمراض المزمنة ضغوطا متزايدة نتيجة الارتفاع المستمر في تكاليف العلاج، في ظل واقع اقتصادي هش ومنظومة صحية تعاني من ضعف التمويل وغياب التغطية الشاملة. ومع حاجة كثير من هذه الأمراض إلى العلاج الدائم والمتابعة المستمرة، تتحول الكلفة المادية إلى عبء يومي يهدد استقرار حياة آلاف النساء المصابات بالسكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والامراض الخبيثة.
تتطلب هذه الأمراض أدوية لا يمكن الاستغناء عنها، وفحوصات دورية، ومراجعات طبية منتظمة، إلا أن أسعار الأدوية والتحاليل باتت تفوق قدرة شريحة واسعة من النساء، لا سيما ربات البيوت وكبيرات السن، اللواتي يعتمدن على دخل الأسرة أو المساعدات المحدودة.
تقول أم أحمد، وهي مصابة بداء السكري وارتفاع ضغط الدم منذ أكثر من عشر سنوات، إن "العلاج أصبح مرهقا ماديا، فأدوية الضغط والسكري وحدها تستهلك جزءا كبيرا من دخل العائلة"، مشيرة إلى أنها تضطر أحيانا إلى تقليل الجرعات أو تأجيل الفحوصات الدورية بسبب عدم توفر المال. وتضيف "أعرف أن هذا خطر، لكن الخيارات قليلة".
ولا تختلف معاناة مريضات القلب عن ذلك، حيث يتطلب المرض التزاما صارما بالعلاج. وتشير نساء إلى أن بعض أدوية القلب المستوردة أصبحت مرتفعة الثمن، ما يدفعهن إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وهي غير متوفرة دائما.
أما مريضات السرطان، فتتخذ معاناتهن بعدا أكثر قسوة، إذ يجمع المرض بين الألم الجسدي والضغط النفسي والعبء المالي الكبير. تقول المواطنة حسيبة جهاد، وهي مصابة بسرطان الثدي، إن "العلاج لا يقتصر على الجلسات الكيمياوية فقط، بل هناك تحاليل وأدوية داعمة ومستلزمات غير متوفرة بشكل كامل في المستشفيات الحكومية". وتضيف "اضطررت إلى بيع قطعة ذهب لتأمين كلفة بعض الأدوية، وأكثر ما يؤلمني هو الخوف من عدم القدرة على إكمال العلاج".
من جهتها، تقول زهراء رامي، المصابة بسرطان القولون، إن "التنقل بين المحافظات للعلاج يشكل عبئا إضافيا، فهناك كلف النقل والإقامة، إلى جانب الفحوصات التي يتطلب إجراؤها خارج المستشفى". وتؤكد أن القلق من العوز المادي في المستقبل يرافقها في كل مرحلة من مراحل العلاج.
وفي ما يتعلق بمريضات الضغط، تقول سعاد حسين إن "أدوية الضغط يجب أن تؤخذ يوميا وبانتظام، لكن أسعارها ترتفع من حين لآخر"، موضحةً أنها تؤجل أحيانا شراء الدواء لبضعة أيام إلى حين توفر المال، ما يعرضها لنوبات صحية خطرة.
وتتزامن هذه المعاناة مع مخاوف متزايدة بعد قرار حكومي يتعلق بزيادة التعرفة الجمركية على الأدوية والمستلزمات الطبية. ورغم أن الهيئة العامة للجمارك أوضحت أن القرار يندرج ضمن توحيد وتصحيح نسب التعرفة الجمركية، عبر اعتماد نسبة موحدة مقدارها 5 بالمائة بعد أن كانت تتراوح بين 0.5- 4 بالمائة، وأن الأدوية الأساسية ذات الطابع الإنساني ما تزال خاضعة للإعفاءات القانونية، فأن هذه التوضيحات لم تبدد القلق الشعبي.
وحذّرت نقابة صيادلة العراق في بيان لها من أن "القرار سينعكس بشكل مباشر على أسعار بيع الأدوية والمستلزمات الطبية للمواطنين، كما سيؤثر على سلاسل إمداد الدواء وتوفره في السوق"، مؤكدة أن المتضرر الأكبر سيكون المرضى، ولا سيما غير القادرين منهم، مطالبةً الحكومة بإعادة النظر في القرار لتفادي اضطراب السوق الدوائي.
ويرى مختصون في الشأن الصحي أن النساء هن الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف العلاج، بسبب ضعف الاستقلال الاقتصادي وتأجيل كثيرات منهن علاجهن لصالح متطلبات الأسرة. وتحذر طبيبة الباطنية رشا منذر من أن "أي انقطاع في علاج الأمراض المزمنة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وربما حالات طارئة تهدد الحياة".
في ظل هذا الواقع، تتصاعد الدعوات لتبني سياسات صحية أكثر عدالة، تشمل دعم الأدوية الأساسية، وتعزيز دور المستشفيات الحكومية، وتوفير برامج خاصة لدعم النساء المصابات بالأمراض المزمنة، ولا سيما السرطان.
ويبقى ارتفاع تكاليف العلاج أحد أخطر التحديات التي تواجه النساء اليوم، حيث لا تقتصر الخسارة على الجانب المادي، بل تمتد إلى الحق في الصحة والحياة الكريمة.