لم تعد المضايقات التي تتعرض لها النساء في الأماكن العامة حوادث فردية معزولة يمكن التعامل معها بوصفها سلوكيات عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة يومية تتكرر في الشوارع، ووسائل النقل، والأسواق، وأماكن الترفيه، وحتى في الفضاء الرقمي. هذا العنف، الذي بات جزءا من التجربة اليومية لكثير من النساء، لا يواجه غالبا بالردع والمحاسبة، بل يقابل بالصمت، أو التبرير، أو تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له.
تتنوع أشكال التحرش بين التحرش اللفظي عبر التعليقات الجنسية والإيحاءات المهينة، والتحرش البصري المتمثل في التحديق المتعمد والمستفز، والتحرش الجسدي كالمس المتعمد في الزحام أو في وسائل النقل العامة، وهو أخطر هذه الأشكال وأكثرها انتهاكا للكرامة الإنسانية. ومع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، برز التحرش الإلكتروني بوصفه امتدادا للعنف في الفضاء العام، حيث تلاحق النساء بالرسائل غير المرغوبة، والتهديد، والابتزاز، ونشر الصور، وسط ضعف الحماية القانونية.
وتجلت هذه الظاهرة بأبشع صورها في حادثة التحرش الجماعي التي شهدها كورنيش البصرة خلال الاحتفال برأس السنة، والتي أثارت صدمة وجدلا واسعين في الشارع العراقي، لا سيما بعد انتشار مقطع فيديو يوثق الاعتداء على فتاة من قبل مجموعة من الشباب، وتداوله على نطاق واسع داخل العراق وخارجه. الحادثة لم تفتح النقاش حول سلامة النساء في الأماكن العامة فحسب، بل كشفت أيضا هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية للضحايا.
وفي هذا السياق، نقلت والدة الفتاة الضحية، في تصريح صحفي، صورة قاسية عن التداعيات النفسية للحادث، مؤكدة أن ابنتها "ميتة سريريا" منذ انتشار المقطع، وأن حالتها النفسية تدهورت بشكل خطير، لدرجة محاولتها الانتحار مرتين. وبدل أن تتحول الجهود إلى محاسبة المعتدين وحماية الضحية، وجدت العائلة نفسها تناشد المواطنين حذف المقطع، في محاولة يائسة لوقف النزيف النفسي، ما يعكس حجم الضغط الاجتماعي الذي عانته الضحية ولم يقع على الجناة.
هذه الواقعة لا يمكن فصلها عن ثقافة لوم الضحية السائدة، حيث يوجه السؤال إلى المرأة بدل المعتدي: لماذا كانت هناك؟ كيف كانت ملابسها؟ ولماذا خرجت؟ هذا الخطاب لا يبرر التحرش فحسب، بل يشرعنه، ويمنح المعتدي شعورا بالأمان من المساءلة. الأخطر أن هذه الثقافة تتحول، مع وسائل التواصل الاجتماعي، إلى محكمة علنية تدان فيها الضحية وتفحص تفاصيل حياتها، فيما يقدم المعتدي بوصفه "شابًا طائشا" أو "حالة فردية".
وتقع المسؤولية الأولى على عاتق المؤسسات الرسمية، رغم إعلان شرطة البصرة القبض على 45 شخصا على خلفية مخالفات الآداب العامة والتحرش خلال ليلة رأس السنة. فالإجراءات الأمنية، وإن كانت ضرورية، تبقى غير كافية ما لم ترافقها منظومة قانونية واضحة، وآليات حماية حقيقية للضحايا، وخطاب رسمي يتعامل مع التحرش بوصفه جريمة لا مبالغة إعلامية. كما أن التقليل من حجم الحادثة، كما ورد في بعض التصريحات الرسمية التي اعتبرت ما جرى "أكبر من حجمه"، يسهم في تسطيح المشكلة بدل معالجتها.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل دور بعض الخطابات الدينية المتداولة التي تركز على جسد المرأة وسلوكها، وتربط "الفتنة" بوجودها لا بفعل المعتدي. هذا الخطاب، حين يقدم بوصفه توجيها أخلاقيا، ينقل المسؤولية من الفاعل إلى الضحية، ويمنح التحرش غطاءً أخلاقيا زائفا، يتناقض مع جوهر القيم الدينية التي تحرم الأذى والاعتداء.
ولا ينبغي على المجتمع أن يستغرب إذا ما تحوّل التحرش إلى سلوك علني موثق بالصوت والصورة، يتداول بلا خجل. فالمجتمع الذي يبرر الجريمة ويحاكم الضحية، هو نفسه الذي يدفع عائلة فتاة معنفة إلى التوسل لحذف مقطع فيديو "حفاظا على السمعة"، بدل الظهور والمطالبة العلنية بإجراءات قانونية تنصف ابنتهم وتعيد تعريف ما جرى بوصفه جريمة عنف لا فضيحة.
إن مواجهة التحرش تتطلب مقاربة شاملة تبدأ من تشريع قانون رادع، وتمر عبر إصلاح الخطاب الديني والإعلامي والتربوي، ولا تنتهي إلا بتغيير ثقافي يعترف بحق النساء الكامل في الوجود الآمن في الفضاء العام. فالمجتمع الذي يشرعن الأذى بالصمت أو التبرير، هو مجتمع يكرّس العنف ويؤجل العدالة، ويدفع النساء ثمن ذلك كل يوم.