اخر الاخبار

مع حلول شهر رمضان، يتضاعف الطلب على الخبز والصمون في عموم البلاد، غير أن هذه الزيادة الموسمية في الاستهلاك لا تعني بالضرورة تحسن أوضاع عمال المخابز، بل على العكس، يؤكد عدد من العاملين أن شهر رمضان هدا العام يأتي مثقلا بارتفاع الأسعار، في ظل تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة، وما رافقها من اضطراب في الأسواق وزيادة في كلف النقل والإنتاج وإغلاق بعض المنافذ الحدودية. وبين نار الأفران ولهيب الأسعار، يقف هؤلاء الكادحون في مواجهة أعباء معيشية متفاقمة دون حماية اجتماعية كافية.

ساعات عمل أطول وأجور متدنية

يقول المواطن سجاد ضرغام وهو عامل فرن في بغداد، إنه يعمل يوميا ما لا يقل عن 14 ساعة خلال رمضان. ويضيف: "الناس تعتمد على الخبز أكثر في رمضان، لذلك نبدأ العمل قبل الفجر ونستمر أحيانا إلى ما بعد الإفطار. لكن الأجر لم يتغير منذ سنوات".

ويشير إلى أن أجره اليومي يبلغ 20 ألف دينار، "وهذا المبلغ لم يعد كافياً لتغطية مصاريف عائلتي مع ارتفاع الأسعار". ويؤكد أن صاحب الفرن بدوره يشتكي من ارتفاع أسعار الوقود، ما يجعله غير قادر – بحسب قوله – على زيادة الأجور.

أما المواطن حيدر علي، فيلفت إلى أن الضغط في رمضان لا يقتصر على ساعات العمل، بل يشمل طبيعة العمل نفسها لأن "الحرارة داخل الفرن لا تطاق، ومع الصيام يكون الأمر أصعب. بعضنا يضطر للإفطار بسبب الإجهاد"، يقول حيدر، موضحا أن "العمل شاق طوال العام، لكن في رمضان يتضاعف الطلب، ولا توجد أي مكافآت أو حوافز".

حلقة ضغط جديدة

يشير عدد من أصحاب الأفران إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الوقود والغاز المستخدم لتشغيل الأفران انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج. ويؤكد عدد من العمال أن هذا الارتفاع أصبح ذريعة لعدم تحسين الأجور، رغم أن العبء الأكبر يقع عليهم.

أبو علي، وهو عامل تشغيل أفران تعمل بالغاز، يقول إن "أسطوانة الغاز التي كانت تشترى بسعر 7 آلاف دينار، ارتفع سعرها إلى 10 آلاف دينار بسبب اضطراب الإمدادات وتأثر الأسواق بالحرب الجارية في المنطقة". ويضيف: "نحن لا علاقة لنا بالحرب، لكننا ندفع ثمنها من تعبنا وأجورنا".

ويربط اقتصاديون بين تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين على الشحنات، ما يؤدي إلى زيادة أسعار الوقود والمواد الأولية. وفي بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية احتياجاته، تنعكس هذه الزيادات سريعا على السوق المحلية.

غياب الضمانات والحماية الاجتماعية

ورغم أن قطاع المخابز يعد من القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي، إلا أن غالبية العاملين فيه يعملون بعقود غير رسمية، دون تسجيل في الضمان الاجتماعي أو تأمين صحي.

يقول الشاب سجاد كريم وهو عامل مخبز منذ أكثر 7 أعوام، "أصبت قبل عام بحروق في يدي بسبب انفجار بسيط في الفرن، ولم أحصل على أي تعويض. اضطررت لتحمل تكاليف العلاج بنفسي". ويضيف "نحن نعمل في ظروف خطرة، لكن لا أحد يسأل عنا".

بين أرباح متزايدة وغياب حقوق الكادحين

في مقابل ارتفاع أسعار بعض أنواع الخبز والصمون في الأسواق المحلية خاصة الصحية منها، يتساءل العمال عن سبب عدم انعكاس ذلك على تحسين أوضاعهم. ويقول سجاد: "إذا كان سعر الصمون ارتفع، فلماذا لا ترتفع أجورنا؟ نحن من نقف أمام النار طوال اليوم".

ويرى متابعون أن المشكلة لا تقتصر على أصحاب الأفران الصغار، بل ترتبط ببنية اقتصادية أوسع تقوم على تحميل الأزمات للفئات الأضعف. فمع كل أزمة سياسية أو عسكرية، تكون الطبقة العاملة أول من يدفع الثمن، سواء عبر تآكل الأجور أو تراجع فرص العمل أو غياب الاستقرار.

دعوات لتنظيم العمل وحماية الحقوق

يطالب عمال المخابز بضرورة تفعيل دور النقابات العمالية وتنظيمهم في أطر قانونية تضمن حقوقهم. كما يدعون إلى تدخل حكومي لضبط أسعار الوقود والغاز، ومنع استغلال الأزمات الإقليمية لرفع الأسعار بشكل يرهق المواطنين والعاملين على حد سواء.

ويؤكد عدد منهم على أن تحسين أوضاعهم لا ينعكس عليهم فقط، بل على المجتمع ككل "فالخبز سلعة أساسية لكل بيت عراقي، وإذا لم ندعم نحن، سيتأثر الجميع".

في شهر يفترض أن تتعزز فيه قيم التكافل والتراحم، تبدو معاناة عمال المخابز وجها آخر للأزمة الاقتصادية التي تتعمق بفعل الحرب وارتفاع الأسعار. وبينما يواصل هؤلاء عملهم لتأمين الخبز لملايين الصائمين، تبقى مطالبهم بتحسين الأجور وضمان الحماية الاجتماعية اختبارا حقيقيا لمدى انحياز السياسات العامة إلى جانب الكادحين، لا إلى حسابات السوق وحدها.