في الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل عقود العمل ضمانة قانونية تحفظ حقوق العاملات، تحولت في كثير من مؤسسات القطاع الخاص إلى وثائق شكلية لا تعكس واقع العمل بصورة حقيقية. فالعقد الذي يُوقّع أمام الجهات الرسمية، على سبيل المثال، ينص على أن ساعات العمل لا تتجاوز ثماني ساعات يومياً، وأن الأجر الشهري يبلغ 350 ألف دينار. لكن الحقيقة التي تعيشها عشرات العاملات، ولا سيما من تعمل منهن في المولات التجارية، تختلف تماماً، إذ لا يتجاوز أجرهن 125 ألف دينار شهرياً، مقابل دوام يمتد إلى أكثر من 12 ساعة يومياً.
وبحسب عاملات، أصبحت هذه الممارسات شائعة في أغلب مؤسسات القطاع الخاص، حيث تُجبر الموظفات على توقيع عقود لا تعكس الأجر الحقيقي أو ساعات العمل الفعلية، فيما يتجنبن الاعتراض خوفا من فقدان مصدر رزقهن في ظل قلة فرص العمل.
تقول حنين عقيل، وهي عاملة مبيعات في أحد المولات التجارية في بغداد، إنها وقعت عقد عمل ينص على أن راتبها الشهري يبلغ 500 ألف دينار، وأن ساعات دوامها اليومية ثماني ساعات فقط، لكنها فوجئت، بعد مباشرتها العمل، بأن الراتب الذي تستلمه لا يتجاوز 300 ألف دينار.
وتضيف: "عندما سألت إدارة المول عن سبب الفرق بين العقد والراتب الحقيقي، قيل لي إن هذا هو النظام المتبع، وإنه في حال الاعتراض، يمكن فسخ العقد العمل، فهناك عشرات الفتيات ينتظرن فرصة التوظيف".
وتوضح أن دوامها يبدأ صباحاً وينتهي في وقت متأخر من الليل، مع استراحة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة، مؤكدة أنها تقضي أكثر من 12 ساعة يومياً داخل المول، دون أن تحصل على أجر إضافي أو تعويض عن الساعات الإضافية.
أما رسل كاظم، وهي معلمة في مدرسة أهلية، فتقول لـ "طريق الشعب" إن مديرة المدرسة طلبت منها، منذ اليوم الأول، عدم الحديث عن تفاصيل الراتب مع زميلاتها، مشيرة إلى أن العقد الموقع يختلف كليا عن الواقع.
وتضيف: "العقد يتحدث عن حقوق وإجازات وراتب 350 ألف دينار، لكننا نستلم 125 ألف دينار فقط".
وتؤكد أن زميلاتها لا يجرؤن على تقديم شكوى، لأنهن يعلن أسرهن أو يحتجن إلى العمل لتغطية نفقات الدراسة أو المعيشة، وهو ما يدفع إدارة مديرة المدرسة إلى استغلال حاجتهن.
من جانبها، تقول آيات فراس، التي تعمل في أحد متاجر مستحضرات التجميل، إن ساعات العمل الطويلة تسببت لها بإرهاق جسدي ونفسي كبيرين. وتوضح: "نقف طوال اليوم تقريباً، ولا يسمح لنا بالجلوس إلا لدقائق معدودة، والأجر الذي نتقاضاه لا يتجاوز 400 ألف دينار، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتغطية أجور النقل والطعام".
وتضيف أن الإدارة ترفض احتساب ساعات العمل الإضافية، رغم أن الدوام يمتد يومياً إلى أكثر من 12 ساعة، لافتة الانتباه إلى أن العاملات يشعرن بأن العقود ليست سوى أوراق تهدف إلى تجنب المساءلة القانونية.
ويؤكد المحامي والمختص في الشأن العمالي جعفر عبد الله لـ"طريق الشعب" أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً واضحاً لقانون العمل العراقي، الذي ألزم أصحاب العمل بتحديد الأجر الحقيقي في العقد، واحترام الحد الأدنى للأجور، وعدم تجاوز ساعات العمل القانونية إلا مقابل أجر إضافي ووفق ضوابط محددة.
ويشير إلى أن تسجيل راتب أعلى من الراتب الفعلي في العقد يستخدم لإظهار التزام المؤسسة بالقوانين أمام الجهات الرقابية، بينما يجري دفع مبلغ أقل للعاملات، وهو ما يعد مخالفة تمس حقوقهن المالية والقانونية.
كما يؤكد أن "استمرار هذه الانتهاكات يرتبط بضعف الرقابة على مؤسسات القطاع الخاص، وقلة الزيارات التفتيشية، فضلا عن تردد العاملات في تقديم الشكاوى خوفاً من الفصل أو إدراج أسمائهن في قوائم تمنع تشغيلهن في مؤسسات أخرى".
وتطالب العاملات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتكثيف حملات التفتيش المفاجئة على المولات والأسواق التجارية، والتأكد من تطابق العقود مع الواقع الفعلي، سواء من حيث الأجور أو ساعات العمل، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المؤسسات المخالفة.
كما يطالبن بتوفير آليات آمنة وسرية لاستقبال شكاوى العاملات، بما يضمن عدم تعرضهن للانتقام أو الفصل التعسفي، إلى جانب تفعيل دور النقابات والمنظمات العمالية في الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الخاص.