تحت شمس لا ترحم، وفي أجواء تتجاوز فيها درجات الحرارة معدلاتها المعتادة، تواصل نساء كثيرات العمل في الأسواق الشعبية والشوارع العامة، بحثا عن مصدر رزق يساعدهن على إعالة أسرهن وتوفير احتياجاتهن اليومية. وبينما يشتد الحر خلال ساعات النهار، تبقى أماكن عملهن مكشوفة في الغالب، وتفتقر إلى أبسط وسائل الحماية من أشعة الشمس وارتفاع درجات الحرارة.

في هذا السياق، تقول المواطنة نجمة أم زهراء، وهي بائعة خضار في سوق منطقة الزعفرانية القديم، "إن العمل في الصيف أصبح أكثر صعوبة، لكنني لا أملك خيار التوقف". وتضيف لـ"طريق الشعب"، "على الرغم من ارتفاع درجات الحرارة، أبدأ بفتح بسطية الخضار من الساعة الثامنة صباحاً، وأضطر إلى رش الماء البارد على الخضار كل ربع ساعة، تجنباً لتلفها، خاصة الخضار الورقية، كالكرفس والرشاد والنعناع وغيرها".

وتشير إلى أنها تضطر أحيانا إلى رش الماء على وجهها وملابسها لتخفيف الشعور بالحرارة، فيما لا تتوفر في مكان عملها مظلات مناسبة، أو لا يتوفر مصدر للماء البارد.

وتتحدث المواطنة عن استمرارها في العمل على الرغم من الظروف المناخية الصعبة فتقول: "المتطلبات المنزلية خلال فصل الصيف أكثر من فصل الشتاء، خاصة فيما يتعلق بارتفاع سعر اشتراك مولدة الكهرباء حيث بلغ سعر الأمبير 22 ألف دينار شهرياً، إضافة إلى الانقطاع المستمر لماء الإسالة في المنطقة، الأمر الذي يجبرني على شراء الماء من السيارات الحوضية الجوالة، حيث أضطر إلى ملء خزان البيت بالماء خمس مرات في الأسبوع، بسبب حاجة العائلة إلى تشغيل مبردات الهواء، إضافة إلى الاستعمال اليومي".

الحرارة والعمل المرهق

بالنسبة إلى كثير من النساء العاملات في الأسواق الشعبية، لا ترتبط ساعات العمل بدرجات الحرارة، وإنما بقدرة الأسرة على تأمين دخل يومي. فالتوقف عن العمل ليوم واحد قد يعني عدم القدرة على شراء الطعام أو دفع أجور النقل أو توفير احتياجات الأطفال.

وتقول المواطنة أم حسين، التي تبيع الملابس في أحد الأسواق، إن الحرارة تؤثر في قدرتها على العمل، خصوصا خلال ساعات الظهيرة. وتضيف "أحيانا أشعر بإعياء شديد، وأحاول أن أجلس دقائق قبل أن استأنف عملي. وعلى الرغم من ذلك، لا أستطيع العودة إلى البيت، لكوني أرملة ومسؤولة عن تربية أربعة أطفال، وهذا الشغل هو الشيء الوحيد الذي أقدر عليه".

وتقول أم حسين: "خلال فصل الشتاء يكون السوق أفضل، أما في الصيف فالناس تتجنب الخروج وقت الظهر، ونحن البائعات نواصل العمل على أمل بيع شيء ما، يعني نتعب أكثر ونربح أقل".

عمل بلا حماية

ولا تقتصر معاناة النساء العاملات في الأسواق على ارتفاع درجات الحرارة، إذ يعمل كثير منهن في ظروف تفتقر إلى الحماية والضمانات، ما يجعلهن أكثر عرضة للآثار الصحية والاقتصادية الناجمة عن ظروف العمل القاسية.

وتتحمل النساء العاملات في الأسواق عبئاً مضاعفاً، فبعد ساعات طويلة من الوقوف أو الجلوس في ظروف جوية قاسية، تعود كثير منهن إلى منازلهن لمواصلة أعمال الرعاية المنزلية وإعداد الطعام والاهتمام بالأطفال.

وتقول هند أم حسام، وهي أم لثلاثة أطفال: "أخرج من منزلي عند الساعة الثامنة صباحاً، وأستمر في العمل في السوق إلى العصر، وعند وصولي انهمك في شغل البيت والأطفال. الحر يتعبنا، لكن التعب الحقيقي أن لا بديل عندنا". وتشير إلى أنها "تتقاضى راتب رعاية شهرياً قدره 275 ألف دينار، إلا أنه غير كاف".

وتكشف هذه الظروف جانباً من واقع العمل غير المنظم الذي تعتمد عليه شرائح واسعة من النساء لتأمين معيشتهن، في ظل محدودية فرص العمل اللائق وارتفاع تكاليف المعيشة.

هل تقع المسؤولية على النساء وحدهن؟

ومع تزايد موجات الحر، تبرز الحاجة إلى إجراءات أكثر جدية لحماية العاملات في الأماكن المكشوفة، ومنها توفير مناطق مظللة، ومياه صالحة للشرب، وأماكن استراحة، إلى جانب تنظيم ساعات العمل خلال فترات الذروة الحرارية، خصوصا للنساء اللواتي يعملن لساعات طويلة تحت أشعة الشمس.

كما أن حماية العاملات لا ينبغي أن تقتصر على مواجهة الحرارة، بل يجب أن تشمل ضمان حقوقهن الأساسية في العمل، بما في ذلك الأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، وبيئة العمل الآمنة.