يتصدر ملف مواجهة الابتزاز الإلكتروني سلّم الأولويات الأمنية المحلية في العراق، إلى جانب اعتباره أولوية قضائية. وتواصل وزارة الداخلية إطلاق حملات توعية للتحذير من مخاطر الظاهرة وسبل التعامل معها، فضلاً عن تخصيص خط اتصال ساخن للضحايا، وتطبيق الكتروني للتبليغ عن حالات الابتزاز. ومع ذلك، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الظاهرة لا تشهد تراجعاً ملموساً، بل تستمر بوتيرة متصاعدة ومعقدة.
وأخيرا، أصدرت محكمة جنايات محافظة صلاح الدين حكماً بالحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات بحق مدان أقدم على ابتزاز فتاة وتهديدها بنشر صورها الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي فيما إذا لم تمنحه مبلغا ماليا. وذكر المكتب الإعلامي لمجلس القضاء العراقي، في بيان صحفي، أن "المدان اشترك مع متهم آخر في عملية مساومة دنيئة استهدفت الضحية، إذ طالباها بمبالغ مالية مقابل الامتناع عن نشر صورها الخاصة"، موضحاً أن "المحكمة وجدت الأدلة كافية لإدانة المتهم، فأصدرت حكمها القضائي".
وتصدر مثل هذه الأحكام بمعدل مرة أو أكثر أسبوعياً، في سياق حملة قضائية وأمنية مشددة تهدف إلى الحد من ظاهرة الابتزاز الإلكتروني، التي بدأت تستهدف النسيج الاجتماعي. وتهدف الإجراءات إلى أن "تكون رادعاً لكل من يحاول استغلال منصات التواصل لأغراض جرمية" - وفقاً لما ورد في البيانات الرسمية.
منصة "أمين"
في كانون الأول الماضي، أطلق جهاز الأمن الوطني منصة "أمين" الرقمية لمواجهة الجرائم الالكترونية وحالات الابتزاز. وبحسب جهاز الأمن الوطني، فإن "توسّع استخدام وسائل التواصل وتزايد الأخطار الرقمية دفعا الجهاز إلى توسيع نطاق عمله، بحيث لا يقتصر على الجهد الميداني فحسب، بل يشمل أيضاً مواجهة المحتوى المسيء وجرائم الابتزاز".
في حديث صحفي، يقول المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني أرشد الحاكم، أن "إطلاق التطبيق جاء استجابة لحاجة ملحة عبّر عنها المواطنون الراغبون في الحماية من الابتزاز الإلكتروني".
وفي السياق، تنقل وكالة أنباء "العربي الجديد" عن ضابط رفيع في جهاز الأمن الوطني، قوله أن "حالات الابتزاز الإلكتروني لا تتراجع رغم الحملات الواسعة وتشديد العقوبات من طرف المحاكم، إلّا أن منصة (أمين) ساهمت في تسريع الإجراءات وطلب الشكاوى المصحوبة بالأدلة".
ويرى الضابط الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه أن "ملف الابتزاز الإلكتروني يعد أولوية أمنية في العراق، لأنه يستهدف البنية الاجتماعية والعائلات، وبسببه حصل الكثير من الجرائم وحالات الانتحار، لكن السلطات تفكر حالياً في أن تكون إجراءات العمل سرية على نحوٍ كبير، من أجل منع حدوث أي عارض اجتماعي خطير".
معدلات متنامية
من جهتها، تقول الناشطة المدنية نورا ذو الفقار، أن "جرائم الابتزاز الإلكتروني ليست حالات معزولة، إنما هي معدلات متنامية وتمسّ الأمن والمجتمع"، مبينة في حديث صحفي أن "أعداد هذه الجرائم تقترب من 15 ألف حالة سنوياً، وبالتالي نحن نتحدث عن أزمة حقيقية، غايتها المال أو تشويه السمعة. وبرغم الاهتمام الأمني والقضائي، إلّا أنها لا تزال مستمرة، والغريب أن حالات كثيرة تحدث بين الأزواج أو المطلقين، وبين بعض أفراد العائلة الواحدة".
وتضيف الناشطة قائلة أن "هناك مشكلات كثيرة تصاحب حالة الابتزاز الإلكتروني، وهي أن بعض المؤسسات الحكومية، ومنها الأمنية، تتعامل مع الفتيات المعرضات للابتزاز على أنهنّ مشاركات في الجريمة ومذنبات، مع العلم أن غالبيتهنّ يقعن في فخ الاحتيال"، مشيرة إلى أن "الإعلانات الرسمية عن الأعداد الكبيرة لحالات الابتزاز تشرح الأزمة الاجتماعية في العراق. فالابتزاز يمثل قمة انحطاط القيم لدى الإنسان، وبكل الأحوال هناك حاجة لتكثيف الجهود لمنع تفشي هذه الظاهرة أكثر، إضافة إلى تدخل المؤسسات الاجتماعية والدينية".
بيروقراطية في التعامل مع قضايا الابتزاز
إلى ذلك، يذكر المحامي محمود الأيوبي، أن "القانون العراقي ما زال يستند إلى نصوص تعود إلى عام 1969، وعلى الرغم من أهميتها، إلا إنها تتسم بطابع بيروقراطي في التعاطي مع قضايا الابتزاز الإلكتروني".
ويوضح في حديث صحفي أن "الإجراءات تبدأ بتقدّم الضحية بشكوى أمام محكمة التحقيق، ليحول القاضي الملف إلى مركز الشرطة الذي يأخذ إفادة الضحية، ثم إلى قاضي التحقيق لتكرار الإفادة للمرة الثانية، وبعدها يطلب من الأمن الوطني التحرك نحو المتهم"، مضيفا القول أن "طبيعة هذه الجرائم التي ترتكب عادة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تجعل الأجهزة الأمنية تستغرق وقتاً أطول لتحديد هوية أصحاب الحسابات، ما يجعل الإجراءات في مجملها بطيئة، وهو أمر يستدعي إدخال المزيد من التحديثات".
ويلفت إلى ان "القانون العراقي يعاقب على جريمة الابتزاز الإلكتروني، رغم عدم تشريع قانون الجرائم الإلكترونية"، مشيرا إلى أن "العقوبات تخضع لنص المادة 452 من قانون العقوبات العراقي، والتي تعاقب بالسجن مدة تصل إلى سبع سنوات كل من حمل شخصاً آخر بطريق التهديد على تسليم أموال أو أشياء أخرى دون إرادته، والعقوبة تصل إلى عشر سنوات إذا ارتكبت الجريمة بالقوة والإكراه".