تواجه الحالة المالية في العراق اختباراً هو الأصعب منذ سنوات، حيث تتقاطع أزمة شح السيولة الخانق مع تراجع في الائتمان المصرفي، إضافة لجملة من القرارات التي أربكت المشهد وكذلك الرأي العام، ما وضع عجلة الأسواق المحلية في حالة من الشلل شبه التام.
وفي وقت تفقد فيه المؤسسات المالية السيطرة على تدفقات الكاش بحسب مختصين، تأتي الحزمة الأخيرة من القرارات الحكومية لتصب الزيت على نار الجدل؛ فبينما تراها الحكومة خططاً إصلاحية لترشيد الإنفاق، يصفها خبراء بأنها "إجراءات قاصرة" تفتقر للرؤية الشاملة وتفشل في كبح الهدر الممنهج.
قرارات مبيّتة
ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي، حسنين تحسين، إنّ كمية القرارات الحكومية الأخيرة، التي استهدفت معظم القطاعات وحركة المال في البلاد، تشير إلى أنها لم تُتخذ بشكل عشوائي.
وأضاف تحسين في حديث مع "طريق الشعب"، أن "هذا الكم من القرارات يعكس في الوقت نفسه تواطؤًا حكوميًا استمر سنوات أمام خلل اقتصادي متفاقم، انتقل تأثيره الى كل القطاعات وكأنه مرض شامل".
وأشار إلى أن "تلك الإجراءات ستتوج قريباً بإعادة النظر في سعر الصرف، رغم نفي الجهات المعنية أي نية لتغييره"، مؤكداً أن "الدولة تعاني من فقدان السيطرة على الدينار، وتسعى عبر توسيع منافذ استرجاع الأموال من المواطنين بشتى الوسائل إلى تأمين قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية".
وختم بتحذيره من أن "استمرار الوضع الحالي دون سياسات واضحة لإدارة النقد والسيولة قد يؤدي الى مزيد من الضغوط على الاقتصاد، ويزيد من صعوبة معالجة الأزمات المالية المتراكمة".
تحذير من استمرار الانفاق العشوائي
من جهته، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن الحكومة تنفق مبالغ ضخمة على قطاعات معينة، دون تحقيق عوائد ملموسة أو إنتاج صناعي حقيقي، مع غياب استراتيجيات لبناء أصول إنتاجية قادرة على رفع النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
وأشار في تعليق لـ"طريق الشعب"، إلى أن "المحرك الأساسي لهذا الإنفاق غير المنطقي هو دوافع سياسية، تهدف في الأساس إلى كسب الوقت وتخفيف آثار الاختلالات السياسية عبر زيادة البطالة المقنّعة وشراء الاستقرار، بدلاً من الاستثمار في قواعد إنتاجية مستدامة".
وبحسب الهاشمي، فإن هذا النهج يؤدي إلى "تضخم الخسائر المالية الحكومية، وزيادة العجز، وتراجع السيولة في خزينة الدولة، خصوصاً في ظل انخفاض الإيرادات النفطية بمقدار 1.5 مليار دولار شهرياً مقارنة بعوائد عام 2023 مثلاً".
وأضاف أن ضخامة حجم الخلل المالي في العراق "يجعل من الصعب إنكاره أو التستر عليه، وهو ما دفع محافظ البنك المركزي الى تقديم اعتراف متأخر بهذه الأزمة، محاولاً في الوقت نفسه تحميل المواطنين جزءاً من المسؤولية، بسبب عدم سدادهم لفواتير الكهرباء، أو لجوئهم إلى وظائف حكومية غير إنتاجية، واحتفاظهم بأموالهم بعيداً عن البنوك".
وشدد الهاشمي على أن الأجدى بالمسؤولين "التركيز على الخطوات العملية التي ستتخذها الحكومة والبنك المركزي لمعالجة الأزمة، وضبط الإنفاق الهائل، وتعظيم العوائد، وتحسين الإنتاجية والخدمات، بدلاً من توجيه اللوم الى الجمهور".
وختم حديثه بالإشارة الى ان "ما يحدث يعكس نمطاً متكرراً في العراق، حيث يميل المسؤولون إلى التسويف والمناورة، وتأجيل مواجهة المشكلات الحقيقية، ما يفاقم أوجه الخلل المالي والاقتصادي التي يعاني منها البلد منذ عقود".
الرأي العام بحاجة الى توضيح
في هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه ان قرارات الحكومة الأخيرة، سواء ما يتعلق بإيقاف بعض أنواع القروض أو ما أثير حول فرض ضريبة على البنزين، ينظر لها على انها إجراءات تأتي في سياق سعي الدولة لإعادة تنظيم أولوياتها المالية وضبط مسارات الإنفاق العام.
ولفت في حديثه مع "طريق الشعب"، الى أن المرحلة الحالية تتطلب اتخاذ قرارات قد تبدو صعبة لكنها في جوهرها تهدف الى حماية الاستقرار المالي ومنع تفاقم العجز.
لكنه اكد أن أي "إجراء اقتصادي يحتاج إلى رؤية واضحة وتواصل مباشر مع الرأي العام لشرح أهدافه وآثاره المتوقعة لأن غياب التوضيح قد يؤدي إلى سوء فهم أو تفسيره على أنه ارتباك في إدارة الملف المالي".
وحول إدارة السياسة المالية للدولة قال عبد ربه إن هناك "جهود لضبط النفقات وتعظيم الإيرادات غير النفطية، لكن التحديات لا تزال قائمة، وأبرزها الاعتماد العالي على الإيرادات النفطية وتضخم فاتورة الرواتب والدعم وكذلك ضعف الجباية في بعض القطاعات وبطء الإصلاحات الهيكلية في القطاعين المصرفي والضريبي".
وتابع قائلاً ان مكامن الخلل "لا تتعلق بالقرار نفسه فقط، بقدر ارتباطها أحياناً بطريقة التنفيذ والتوقيت وآلية الإعلان عنه"، مشيراً إلى "ضرورة الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة التخطيط متوسط وبعيد الأمد مع تعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة الإنتاج الحقيقي".
وخلص الى إن "الحكومة تمتلك فرصة لإعادة هيكلة المشهد المالي بشكل متوازن، شريطة أن تقترن الإجراءات التقشفية بحزم تحفيزية للقطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار حتى لا يتحمل المواطن وحده عبء الإصلاح".
عجز حكومي والسيولة مفقودة
الى ذلك، اكد المراقب للشأن الاقتصادي عبد السلام حسين، إنّ القرارات الأخيرة بضمنها قرار تعليق منح القروض وغيره يشير بوضوح إلى أن الحكومة تواجه عجزاً في السيولة، على الرغم من تصريحات وزارة المالية التي توحي بطمأنة السوق.
وأضاف حسين في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الحكومة "تنظر الى الزيادة في الغرامات الجمركية والضرائب على أنها وسيلة لتعويض النقص، لكنها في الواقع تفرض عبئاً إضافياً على المواطنين والأسواق".
وتابع أن "بعض الغرامات والسلف في المصارف متوقفة منذ عام، باستثناء حالات محدودة مثل مصرف الرشيد، وأن السوق يعكس الصورة الحقيقية للوضع الاقتصادي مقارنة بالتصريحات الرسمية".
وأشار حسين إلى أن "جزءاً من السيولة الضائعة يمكن توفيره عبر ضبط فرعيات مديريات التسجيل العقاري التي يحدث فيها الكثير من الهدر المالي وغيرها".
وزاد بالقول أن "استمرار فقدان السيطرة على الدولار وارتفاع الأسعار ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤثر في قدرة الحكومة على دفع الرواتب والتزاماتها"، مشدداً على أن "تحسين الوضع المعيشي للناس هو الضامن لنجاح الاستقرار الاقتصادي".
وأتم حديثه داعياً الى "اعتماد إجراءات مالية وإدارية أكثر فاعلية لتوفير السيولة بشكل منظم، وتقليل الهدر، ومعالجة الاختناقات الاقتصادية"، مؤكداً في الوقت ذاته أن "تطبيق هذه الإجراءات بشكل صحيح سيخفف الضغط على السوق ويعيد التوازن الى الاقتصاد العراقي".