شهدت أسواق العاصمة بغداد وأربيل ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار صرف الدولار الأميركي مع افتتاح الأسبوع، حيث سجل سعر الدولار في بورصتي الكفاح والحارثية ببغداد 152700 دينار مقابل كل 100 دولار، بعد أن كان 152300 دينار يوم الخميس الماضي. وسجلت محال الصيرفة في الأسواق المحلية في بغداد سعر البيع 153250 دينارا مقابل كل 100 دولار، وسعر الشراء 152250 دينارا مقابل 100 دولار.
"الدولار الراجع"
ويربط الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي بانخفاض المعروض من الدولار، نتيجة تطبيق نظام "الاسيكودا" الذي منع فواتير الاستيراد المضخمة، وحدّ من ظاهرة ما يعرف بـ "الدولار الراجع"، حيث كان يتم شراء الدولار بالسعر الرسمي لتمويل استيرادات وهمية ثم بيعه بالسوق الموازي.
كما يشير إلى ارتفاع الطلب على الدولار الموازي لتمويل الاستيرادات عبر منافذ إقليم كردستان، التي أصبحت أقل تكلفة مقارنة بمنافذ الوسط والجنوب الممولة بالدولار الرسمي نتيجة تطبيق نظام الاسيكودا والتعرفة الكمركية الجديدة.
صغار التجار غير جاهزين
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي منار العبيدي أن المشكلة الأساسية ليست في نقص الدولار بقدر ما ترتبط بعدم قدرة العديد من القطاعات التجارية على الدخول ضمن القنوات النظامية للتحويل المالي، خصوصًا تجارة الملابس والأحذية والأثاث والسيارات المستعملة، حيث يعتمد أصحاب هذه الأنشطة على السوق الموازي لتوفير العملة الصعبة، ما يزيد من ضغط الأسعار.
ويرى العبيدي أن استمرار الطلب المرتفع في السوق الموازي قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع سعر الصرف، لكنه لن ينعكس بشكل كبير على أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء، التي يمكن للتجار تحويلها عبر النظام الرسمي بسعر يقارب 1320 دينارا للدولار. كما أن هناك إمكانية لإنشاء منصة حكومية لصغار التجار، تتولى الجهات الرسمية إدارة عمليات الشراء والتحويل المالي دون تدخل مباشر من التاجر، مما يقلل الاعتماد على السوق الموازي. بالإضافة إلى ذلك، هناك توجه محتمل نحو تحول شركات الشحن والتخليص الكمركي إلى مستوردين فعليين يتولون عمليات الاستيراد والتحويل والتخليص، وهو السيناريو الأقرب للواقع إذا توفرت التسهيلات اللازمة.
ويشير العبيدي إلى أن صغار التجار غير جاهزين قانونيًا وتنظيميًا لدخول النظام المالي الرسمي، وأن المصارف تركز على كبار المستوردين نظرًا للكلفة التشغيلية العالية للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الصغار. لذلك، يرى أن الدولة أمام خيارين: إما إيجاد حلول هيكلية تشمل هذه الشرائح التجارية ضمن النظام المالي الرسمي، أو القبول باستمرار ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي وتحمل تبعاته إعلاميًا واجتماعيًا قبل الاقتصادية. الملف أصبح اختبارًا لقدرة السياسات الاقتصادية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، مؤكدة أن المشكلة لم تعد تقنية بحتة، بل تتعلق بالهيكلية والسياسات المالية.
مستشار حكومي يطمئن
لكن د. مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، يرى ان ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية "لا ينعكس بشكل مباشر على استقرار المعيشة اليومية للمواطنين".
وقال صالح، أن "أسواق الصرف تعد من أكثر الأسواق حساسية للمعلومات، بل يمكن وصفها بـ (سوق المعلومات)، خاصة عندما تكون تلك المعلومات بصيغة شائعات تؤثر على توجهات العرض والطلب".
وأشار المستشار المالي إلى أن العملة الأجنبية تتحرك حالياً بالتوازي مع أسعار الذهب عالمياً، حيث شهدت الفترة الأخيرة زيادة في الطلب على كليهما، وهو ما يعد سبباً رئيساً لارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية.
وبشأن تأثير هذا التقلب على حياة المواطنين، طمأن مظهر محمد صالح الشارع قائلاً: "هذه التغييرات ليس لها تأثير جوهري على مستوى المعيشة". وعزا ذلك إلى اتساع قاعدة الإمدادات السلعية والمواد الأساسية التي توفرها الدولة بالسعر الرسمي المستقر، والمدعومة باحتياطيات أجنبية قوية، فضلاً عن سياسة الدفاع عن أسعار السلع الأساسية.
وفي ختام حديثه، شدد مستشار رئيس الوزراء على أن ارتفاع أسعار الذهب والدولار يرتبط بشكل أكبر بسلوك أصحاب الفوائض المالية الذين يلجأون لشرائهما كأداة للادخار. واستشهد بصحة هذا الاستقرار قائلاً: "إن تسجيل معدل تضخم سنوي بنهاية عام 2025 لم يتجاوز 1.5%، هو دليل قاطع على بقاء الأسعار ضمن نطاقها الطبيعي والمستقر".
دولار المسافرين
وتمثل احتياطيات العراق من العملة الصعبة خط الدفاع الأول عن الدينار، إذ يستخدمها البنك المركزي لتغطية الطلب الحقيقي المرتبط بالتجارة الخارجية واحتياجات المسافرين.
ويؤكد خبراء، أن "التوسع في تمويل الاستيرادات عبر المنصة الإلكترونية والمصارف المراسلة يقلل من اعتماد التجار على السوق السوداء، ما يؤدي تلقائياً إلى تخفيف الضغط على أسعار الصرف في السوق الموازي".
وفي موازاة الإجراءات النقدية، أعادت وزارة المالية فتح ملفات فساد مرتبطة ببيع الدولار للمسافرين في مطار بغداد الدولي؛ فقد استُدعي أكثر من 20 مسؤولاً وموظفاً في مصرف الرافدين للتحقيق، على خلفية شبهات تتعلق بالتلاعب وتهريب العملة.
وكانت وزيرة المالية طيف سامي قد أصدرت قراراً بسحب يد مدير المصرف وعدد من المسؤولين، في خطوة وُصفت بأنها رسالة حازمة بأن الدولار المدعوم مخصص حصراً للمستحقين، وأن أي تلاعب سيواجه بإجراءات صارمة.
ورغم التفاؤل الرسمي، يرى خبراء اقتصاديون أن انعكاس هذه الإجراءات على أسعار الصرف يحتاج إلى نَفَس طويل، مؤكدين أن الحل المستدام لا يقتصر على الملاحقات الأمنية، بل يتطلب إصلاحات أعمق تشمل استقرار القوانين المالية والضريبية، وتقليل الاعتماد على الاقتصاد النفطي، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع الشمول المالي.
ومع استمرار الضغط الحكومي على منافذ بيع الدولار، وتشديد الرقابة على المصارف والأسواق، تترقب الأوساط الاقتصادية نتائج التحقيقات والإجراءات الحالية، وسط ترجيحات بأن تشهد أسعار الدولار الموازي تراجعاً ملموساً مع إحكام السيطرة على منابع المضاربة واستعادة هيبة الدولة في إدارة الملف النقدي.