ليس بالنفط وحده يهيمن الأمريكان

نشر موقع The Cardle  مقالاً حول العلاقات النفطية العراقية مع الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أشار فيه إلى أن العراق، الذي يمتلك بعضاً من أكبر احتياطيات النفط التقليدية في العالم، تعرض عام 2003 لغزو واحتلال أمريكيين، أسفرا عن إعادة هيكلة شاملة للدولة والاقتصاد، ودخول العديد من الشركات النفطية، مثل شل وإكسون موبيل وبي بي، إلى حقوله، قبل أن تواجه عقبات فنية ودستورية، من بينها المادة 111 من الدستور العراقي، التي تنص على أن النفط والغاز ملك لجميع العراقيين.

تراجع كبير

ورغم تجاوز هذه العقبة عبر إبرام عقود خدمات للاستكشاف والحفر والهندسة والإدارة والتشغيل، فقد جعلت الرسوم المرتفعة، والنزاعات المتعلقة بالدفع، والمخاطر الأمنية، والبيروقراطية، واختناقات البنية التحتية، الحقول الفيدرالية أقل جاذبية. وعلى إثر ذلك انسحبت شل من حقل مجنون عام 2018، وانسحبت إكسون موبيل من حقل غرب القرنة-1، ونقلت بي بي وبتروتشاينا حصصهما في حقل الرميلة إلى شركة نفط البصرة المحدودة.

البديل الصيني

وقد وفرت هذه الانسحابات، وفق المقال، فرصاً أكبر أمام الشركات الصينية، التي تقدم عروضاً جيدة للتعاون مع العراق، لتصبح الجهة الأبرز في ميدانه النفطي، سواء بمفردها أو بالشراكة مع العراقيين، ولاسيما بعد أن تعاملت مع العراق بشكل مختلف، وقبلت بشروط صعبة، وهوامش ربح فورية أقل، وعوائد تُقاس على مدى عقود، مستفيدة من سلاسل التوريد المتكاملة، وانخفاض تكاليف التطوير، والمعدات الصينية، والخبرة الهندسية العميقة، وقدرتها الأكبر على تحمل المخاطر السياسية والتشغيلية. وكان لهذا الموقف منطق تجاري واستراتيجي، فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وتخطط لأمن الطاقة على مدى عقود. ويوفر العراق لها احتياطيات هائلة، وتكويناً جيولوجياً مواتياً، وتكاليف إنتاج منخفضة نسبيًا، حتى عندما تُعقّد السياسة والبنية التحتية العمليات.

ولهذا، وعندما أدت العمليات الصعبة والعائدات المحدودة إلى تقليص العديد من الشركات خدماتها والتخلي عن استثماراتها، تولت الشركات الصينية تنفيذ أعمال مثل الحفر والتصنيع وإدارة المشاريع والتطوير التدريجي، وهي أعمال مهمة لتحويل جيولوجيا العراق إلى إنتاج، مع بقاء احتياطيات النفط ملكًا للدولة.

النفط ليس الهدف الوحيد 

ورداً على تساؤل عما إذا كانت هذه التغييرات قد أفقدت الأمريكان والإنكليز قدرتهما على تحقيق هدفهما المتمثل بالتحكم في البلاد، أجاب الكاتب بالنفي، لأن النفط لم يكن الدافع الرئيسي للغزو، مقارنة بالحاجة إلى فرض عقيدة أنجلو-أمريكية جديدة، تبدد تدريجياً دور ميثاق الأمم المتحدة الذي يُعلي من شأن الدول ذات السيادة والاستقلال. وللبرهنة على ذلك، شرح المقال الهيمنة المالية التي تمارسها واشنطن على العراق بموجب الأمر التنفيذي رقم 13303، الصادر في أيار 2003 ، والذي "تُحمى" به عائدات النفط العراقي من الحجز في المحاكم الأمريكية، ويمنح الولايات المتحدة نفوذاً على وصول بغداد إلى الدولار، وهو نفوذ يفوق ما كان يمكن تحقيقه عبر الشركات النفطية.

واستنتج الكاتب أن عبارة "غزا الغرب العراق من أجل النفط" تتطلب الكثير من التدقيق، فلم تضمن الشركات الأمريكية والبريطانية سيطرة دائمة على الإنتاج أو الاستحواذ على معظم أرباح الحقول، لكن الهيمنة على موقع العراق الاستراتيجي في مجال الطاقة، والتي كانت دوماً على رأس الحسابات الاستراتيجية التي سبقت الحرب، قد تجسدت في القرارات المبكرة لسلطة الاحتلال، والتي أعيدت من خلالها هيكلة القطاع.

عقود شراكة

وبالمقابل، كانت لحكومة إقليم كردستان سياسة أخرى، حيث ابرمت شركات مثل DNO، وجينيل إنرجي، وغولف كيستون بتروليوم، وHKN إنرجي، وهانت أويل، عقود تقاسم الإنتاج مع أربيل، مما أتاح لها فرصة أكبر للاستفادة المباشرة من عائدات الإنتاج، وجاءت شروط هذه العقود مشابهة للشروط التي تُفضّلها الشركات الغربية الخاصة. ولاحقاً أصبحت هذه العقود محور صراع دستوري طويل بين أربيل وبغداد حول الجهة التي يحق لها توقيع العقود وشروط السوق، إلى أن قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان في عام 2022، فيما كشف إغلاق خط أنابيب التصدير بين العراق وتركيا عام 2023 عن هشاشة النموذج القانوني والمالي.

عدوى محتملة

ونقل المقال خشية العديد من المراقبين في العراق من سعي الحكومة الحالية إلى تعميم هذا النموذج لكسب ودّ واشنطن، التي تمارس نفوذًا كبيرًا على الاقتصاد العراقي، المتضرر بشدة جراء الحرب والعقوبات ونقص الاستثمار والاعتماد على الواردات وسوء الإدارة والفشل في تنويع الاقتصاد، فضلاً عن هشاشته تجاه تقلبات أسعار النفط والضغوط المالية الخارجية.