مع حلول الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين، تتجدد المطالب الشعبية باستكمال أهدافها ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين وقمع الاحتجاجات، في وقت تتواصل فيه الانتقادات للمحاصصة والفساد وتفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية والمعيشية.
ويستعد ناشطون لإحياء الذكرى بوقفة احتجاجية سلمية تتجاوز استذكار الشهداء إلى توجيه مطالب مباشرة للحكومة ومنحها مهلة للاستجابة، مشيرين إلى أن السنوات الماضية لم تحمل تغييراً يتناسب مع حجم التضحيات التي قدمها العراقيون، وأن كثيراً من الملفات التي فجّرت الاحتجاجات لا تزال عالقة، من غياب المساءلة والإفلات من العقاب إلى اختلال إدارة مؤسسات الدولة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، لم تتوقف الدعوات إلى تنفيذ مطالب تشرين كاملة، مع استمرار الرفض للمحاصصة والفساد، وتجدد المطالب المختلفة ومنها تحسين الخدمات وحماية ذوي الدخل المحدود وتوفير فرص العمل، وتفعيل القطاعات الإنتاجية الوطنية والاستثمار الأمثل للموارد.
سلمية.. مطلبية
وفي هذا السياق، قال علي الدهامات، شقيق الشهيد أمجد الدهامات، إن الوقفة المرتقبة لإحياء ذكرى الشهداء ستتضمن مطالب واضحة موجّهة إلى الحكومة، بعد أن كانت النية تقتصر في البداية على إحياء الذكرى.
وأضاف في حديثه مع "طريق الشعب"، أنه كان هناك أمل بأن تشهد المرحلة الجديدة خطوات ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين، مبيناً أنهم عبّروا عن مساندتهم لصولة الفجر، إلا أن التطورات اللاحقة دفعتهم إلى إعادة تقييم الموقف، ولا سيما ما يتعلق بإدارة مؤسسات الدولة وتوزيع المناصب الوزارية وما يترتب عليها من أعباء مالية.
وأشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد تتطلب قرارات مسؤولة وأولويات واضحة في إدارة المال العام، معتبراً أن ما لمسوه حتى الآن لا ينسجم مع مستوى التفاؤل النسبي الذي رافق تشكيل الحكومة، الأمر الذي دفعهم إلى تحويل الوقفة من مناسبة لإحياء الذكرى إلى تحرك يتضمن مطالب محددة ومهلة زمنية للاستجابة لها.
وأوضح الدهامات أنهم سيمنحون الحكومة أياما محدودة لتحقيق مطالبهم، مؤكداً أن موقفهم اللاحق سيتحدد في ضوء ما ستتخذه الحكومة من إجراءات خلال هذه المدة، ومدى جديتها في التعامل مع المطالب المطروحة.
وفي ما يتعلق بحديث الزيدي عن دستورية وحق التظاهر، تساءل الدهامات، عن الضمانات الفعلية لحماية المتظاهرين ومنع تكرار ما شهدته احتجاجات سابقة من سقوط ضحايا وإصابات، مستحضراً أحداث فترة حكومة عادل عبد المهدي وما رافقها من خسائر بشرية كبيرة رغم اعلان احترامها لهذا الحق الدستوري.
وشدد على أن التحرك سيكون سلمياً، لافتاً إلى أن الدعوات إلى الالتزام بالسلمية مستمرة منذ أكثر من عشرة أيام، وأن منظمي الفعالية لا يريدون أن تتحول مطالبهم إلى مناسبة للفوضى أو الاعتداء على الممتلكات العامة، بل يسعون إلى إيصال رسالتهم بصورة واضحة ومسؤولة.
وبيّن أن لجاناً خاصة ستُشكّل من بين المحتجين لمتابعة سير الوقفة ورصد أية خروقات أو محاولات للاندساس وإثارة الفتن، على أن يجري تسليم المخالفين إلى الجهات الأمنية المختصة، مؤكداً رفض أي اعتداء على المؤسسات الحكومية أو الممتلكات العامة.
الفشل السياسي عمّق الأزمات
الى ذلك، قالت الناشطة السياسية والصحافية أميرة الجابر إن العراق لم يصل، بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي عام 2003، إلى المستوى الذي يطمح إليه المواطنون، مشيرة إلى أن الإخفاقات السياسية انعكست بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأثّرت في مستوى معيشة العراقيين.
وأضافت في حديثها مع "طريق الشعب"، أن استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية يدفع إلى مواصلة الحراك الشعبي، لافتة إلى أن الشارع يواجه ضغوطاً متزايدة، ولا سيما بعد تغيير سعر صرف الدولار وما تركه من آثار على دخول المواطنين وقدرتهم الشرائية.
وأوضحت أن المطالب لا تقتصر على تحسين الأوضاع المعيشية، بل تشمل إصلاح إدارة الدولة، وبناء اقتصاد قادر على تحقيق الازدهار للمواطنين، بدلاً من تحميلهم تبعات إخفاقات السلطة والفساد، مؤكدة أن إدارة الموارد العامة ينبغي أن تنعكس على حياة العراقيين وخدماتهم وفرصهم الاقتصادية.
وفي تقييمها لمسار احتجاجات تشرين، قالت الجابر إن مرور السنوات لم يفضِ إلى تغييرات تتناسب مع حجم التضحيات والوعود التي رافقت الحركة الاحتجاجية، معتبرة أن عدداً من المشكلات التي خرج المحتجون ضدها لا يزال قائماً، فيما تفاقمت أزمات أخرى وأصبحت أكثر ضغطاً على الشارع.
وأشارت إلى أن مطالب تشرين شملت أيضاً تنظيم عمل الأحزاب، ومعالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، والحد من تغوّل القوى السياسية المتنفذة، مبينة أن استمرار هذه الملفات يعكس محدودية التغيير الذي تحقق قياساً إلى تطلعات المحتجين.
وأضافت الجابر أن الاحتجاجات أحدثت تحولاً في وعي الشارع العراقي وموقفه من الأحزاب الحاكمة، حتى وإن كان تأثيرها في تغيير بنية النظام السياسي أقل من المأمول، مشيرة إلى أن تراجع زخم الاحتجاجات لا يعني انتهاء حالة الاستياء الشعبي، في ظل استمرار الفساد والأزمات الخدمية والاقتصادية.
وختمت بالقول إن التغيير يتطلب استمرار العمل السياسي المعارض والتمسك بالمطالب الإصلاحية، مؤكدة أن مواصلة رفض الفساد والدفاع عن فكرة التغيير يمثلان ضرورة لمعالجة الاختلالات القائمة، وعدم السماح بتحول التضحيات التي قدمها المحتجون إلى حدث من دون نتائج تتناسب مع حجمها.
تشرين حركة احتجاجية عراقية خالصة
من جانبه، قال الناشط السياسي احمد الربيعي، إن تظاهرات تشرين تمثل حركة احتجاجية عراقية خالصة، انطلقت بمطالب أساسية في مقدمتها إنهاء المحاصصة والفساد والطائفية والسلاح المنفلت، وقدّمت خلال مسيرتها تضحيات كبيرة تمثلت بسقوط شهداء وإصابة آلاف المتظاهرين.
وأضاف في حديثه مع "طريق الشعب"، أن استمرار إفلات المتورطين بقمع الاحتجاجات من العقاب، وعدم مثولهم أمام القضاء أو إلقاء القبض عليهم، يثير تساؤلات دائمة بشأن جدية التعامل مع هذا الملف، داعياً الحكومة إلى إدراج الكشف عن قتلة المتظاهرين ومحاسبة المسؤولين عن قمع الاحتجاجات ضمن برنامجها الحكومي.
وأكد أن الحضور اليوم سيستند إلى المطالب الأساسية التي خرجت من أجلها تظاهرات تشرين، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة والطائفية وحصر السلاح بيد الدولة.
وأضاف أن الشعب هو مصدر شرعية الحكومة ومجلس النواب ومؤسسات الدولة، مبيناً أن التعامل مع الاحتجاجات ينبغي أن يترجم إلى إجراءات عملية تضمن حماية المتظاهرين واحترام حقهم في التعبير عن مطالبهم، وليس الاكتفاء بالتصريحات والمواقف المعلنة.
وأوضح الربيعي أنهم سيراقبون سلوك القوات الأمنية خلال تظاهرات اليوم، معرباً عن أمله في أن تجري الاحتجاجات بصورة سلمية، وأن تتجنب القوات الأمنية والمتظاهرون أي تصادم.
ووجّه الربيعي رسالة إلى اقرانه الشباب المشاركين، دعاهم فيها إلى استذكار تضحيات ضحايا تشرين والتمسك بالمطالب التي خرجت من أجلها الاحتجاجات، مؤكداً أن إحياء الذكرى لا يقتصر على استعادة أحداثها، ويتطلب مواصلة المطالبة بتحقيق أهدافها، وفي مقدمتها التغيير ومكافحة الفساد والكشف عن المسؤولين عن قتل المتظاهرين.
وشدد على أن الجرائم المرتبطة بقمع الاحتجاجات لا ينبغي أن تُطوى ملفاتها أو يُفلت مرتكبوها من المساءلة، قائلاً إنها "جرائم سياسية لن تسقط بالتقادم"، وداعياً الحكومة إلى فتح ملفات قمع المتظاهرين والعمل على كشف ملابساتها ومحاسبة المسؤولين عنها عبر القضاء.
تبليغ حكومي بعدم طباعة اي شعار احتجاجي!
وأفاد أصحاب محال تجارية في منطقة الباب الشرقي، قرب ساحة التحرير، أمس السبت، بإغلاق محالهم وتعليق أعمالهم بشكل مؤقت على خلفية الدعوات التي أطلقها ناشطون للتحشيد بالخروج بتظاهرات بالتزامن مع حلول الذكرى السابعة لاحتجاجات تشرين.
وقال أصحاب محال مطابع (الفلكس) والإعلانات الضوئية والمصورون بأنهم تلقوا تبليغات أمنية باغلاقها إلى حين انتهاء التظاهرات المرتقبة اليوم الأحد في ساحة التحرير.
وأضافوا أن التبليغات تضمنت تشديداً بعدم طبع أي شعارات او لافتات تستهدف الحكومة العراقية.