اخر الاخبار

أعاد تفعيل برلمان إقليم كردستان، بعد نحو عامين من التعطيل السياسي، فتح واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المشهد الكردستاني، بعدما انتهت أولى جلسات الدورة السادسة بانتخاب هيئة رئاسة البرلمان، وسط مقاطعة قوى سياسية رئيسية، واعتراض الاتحاد الوطني الكردستاني على شرعية الجلسة ومخرجاتها. وسرعان ما انتقل الخلاف من التنافس على إدارة المؤسسة التشريعية إلى التلويح بالانسحاب من الحكومة، واحتمال تشكيل إدارة موازية في السليمانية، بما يعيد إلى الأذهان تجربة الانقسام الإداري والسياسي بين أربيل والسليمانية في تسعينيات القرن الماضي.

ويتمسك الحزب الديمقراطي الكردستاني بصحة الإجراءات، مستنداً إلى تحقق النصاب القانوني، فيما يرى الاتحاد الوطني أن تجاوز القوى المقاطعة يهدد شرعية البرلمان ويكرّس الانفراد بالقرار. وفي خضم هذا التجاذب، تبرز مواقف القوى السياسية الأخرى، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الكردستاني، الداعية إلى تفعيل المؤسسات على أساس الشراكة واحترام إرادة الناخبين، بعيداً عن صفقات تقاسم السلطة.

ومع اقتراب جلسة التاسع من تشرين الثاني، تتجه الأزمة نحو مفترق حاسم، بين احتمالات استئناف الحوار والتوصل إلى تسوية سياسية، أو تصاعد المواجهة وصولاً إلى الطعن القضائي وتكريس انقسام جديد في إدارة الإقليم.

ماذا جرى في البرلمان؟

وكان برلمان كردستان عقد جلسته يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026 بعد نحو 702 يوم من التعطيل منذ انتخابات تشرين الأول 2024. وانتهت الجلسة بانتخاب فالا فريد إبراهيم، مرشحة الحزب الديمقراطي، رئيسةً للبرلمان، ورامي نوري عوديش نائباً لها، ومنى نبي نادر سكرتيرة لهيئة الرئاسة، بعد حصول كل منهم على 52 صوتاً.

وبحسب توزيع الاصوات جاء 39 صوتاً من كتلة الحزب الديمقراطي، والبقية من نواب ينتمون إلى قوائم أخرى: ثلاثة من قائمة الاتحاد الوطني، وثلاثة من قائمة الجيل الجديد، واثنان من تيار الموقف الوطني، وواحد من جبهة الشعب، وواحد من «تحالف إقليم كردستان»، إضافة إلى ثلاثة من ممثلي المسيحيين والتركمان. ويُلاحظ أن بعض هذه الأصوات جاء من قوائم أعلنت أحزابها مقاطعة الجلسة، وهي الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد والاتحاد الإسلامي وتيار الموقف الوطني وجماعة العدالة.

وقالت رئيسة البرلمان الجديدة إن إعادة التفعيل خطوة ضرورية لحماية الكيان الدستوري للإقليم، وإنها ليست موجّهة ضد أي طرف سياسي.

موقف الاتحاد الوطني الكردستاني

أعلن رئيس الاتحاد بافل طالباني مساء الخميس 5 تشرين الثاني، عقب اجتماع للمجلس القيادي في السليمانية، انسحاب حزبه من الحكومة وعدم اعترافه بالجلسة، وتعهّد بعدم السماح بإراقة الدماء. ولوّح بتشكيل إدارة موازية في السليمانية، قائلاً: "إذا عيّنوا رئيس حكومة، سنعيّن هنا رئيس حكومة".

وذكر الاتحاد في بيان أن شرعية جلسات البرلمان تقوم على مشاركة جميع الأطراف المنتخبة، واتهم أطرافاً بمحاولة التأثير في قرارات النواب عبر شراء الأصوات والتهديد والضغط النفسي. ولم تتضمن المصادر التي رجعنا إليها رداً من الحزب الديمقراطي على هذا الاتهام تحديداً.

وأوضح القيادي في الاتحاد محمود خوشناو أن ممثلي الحزب سينسحبون من مكاتبهم الحكومية اعتباراً من الأحد 8 تشرين الثاني، وأن الحزب قد يتجه إلى خطوات أبعد، منها الاستقلال الإداري للسليمانية عن أربيل.

وأضاف أن حزبه كان قادراً على جمع النصاب مع حلفائه، لكنه فضّل التفاوض سعياً إلى مشاركة الجميع.

موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني

فيما يرى الحزب الديمقراطي أن عقد الجلسة لا ينطوي على مخالفة. وقال القيادي دجوار فائق إن حضور 52 نائباً من كتل ومكوّنات متعددة يحقق النصاب القانوني، وإن الحزب انتظر نحو عامين لإقناع الجميع بالمشاركة. وأضاف أن الاتحاد حاول مع الجيل الجديد إكمال النصاب منذ عامين دون أن ينجح. وأعلن أن الجلسة المقبلة ستُعقد يوم الاثنين 9 تشرين الثاني لانتخاب اللجنة القانونية وفتح باب الترشح لرئاسة الإقليم.

 ودعا فائق الأحزاب الراغبة في دخول الحكومة إلى المشاركة وفق الاستحقاقات الانتخابية، على أن يختار الراغبون في المعارضة ذلك مع حضور الجلسات.

في المقابل، قال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني وفا محمد كريم إن الحزب أثبت قدرته على تفعيل البرلمان وتسمية الرئاسات دون الحاجة إلى الاتحاد والجيل الجديد.

وكشف قيادي في الحزب عن اتصالات بين الطرفين وممثلي قوى أخرى بحثاً عن حلول للأزمة.

وكان رئيس الحزب مسعود بارزاني قد دعا القوى التي لم تشارك، إلى الانضمام إلى الجلسات المقبلة.

موقف الحزب الشيوعي الكردستاني

من جهته، أيّد الحزب الشيوعي الكردستاني، في بلاغ صدر عن مكتبه السياسي، تفعيل البرلمان بمشاركة جميع الأحزاب والكتل الفائزة، بما يضمن احترام إرادة الناخبين ووضع المسؤوليات الوطنية والقومية فوق المصالح الحزبية والشخصية.

وقال أن البرلمان لم يعقد منذ انتخاب دورته السادسة سوى جلسة افتتاحية أدّى فيها النواب اليمين، وأن الخلافات بين طرفي الأغلبية عطّلت عمله، ودعا إلى خطاب وموقف مشتركين في ظل حروب وصراعات إقليمية قد تتسع.

وأوضح البلاغ أن الحزب شارك مع حزب كادحي كردستان والحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني في قائمة مشتركة باسم «تحالف إقليم كردستان»، فازت بمقعد واحد عن دائرة السليمانية. وأقرّ بأن المقعد ذهب، وفق تسلسل الأصوات، إلى مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكنه شدد على أن التحالف مسجّل رسمياً بوصفه تحالفاً انتخابياً لا باسم حزب بعينه، وأن على الأطراف الثلاثة التشاور فيما بينها قبل اتخاذ أي قرار بالمشاركة أو عدمها.

وكانت اللجنة المركزية للحزب قد قالت في اجتماعها يوم 17 تشرين الأول إن تعطّل البرلمان واستمرار حكومة تصريف الأعمال بعد عامين على الانتخابات يعكسان أزمة شاملة في طبيعة السلطة، وإن الأزمات لا تُحلّ باتفاق بين أطراف على «تقاسم كعكة السلطة». ودعت إلى اتفاق شامل ضمن برنامج وطني ديمقراطي كردستاني لتفعيل البرلمان والمؤسسات، يقوم على احترام إرادة الناخبين وتوسيع المشاركة السياسية وإعادة توزيع الثروة بعدالة وحماية الحريات. كما طالبت حكومة تصريف الأعمال بتوفير الوقود الشتوي بأسعار مدعومة واحتساب مستحقات المواطنين من الرواتب المتأخرة مقابل أجور الكهرباء.

وأُجريت انتخابات برلمان الإقليم في تشرين الأول 2024 بعد تأجيلها أربع مرات، وتصدّرها الحزب الديمقراطي بـ39 مقعداً من 100، تلاه الاتحاد الوطني بـ23، ثم الجيل الجديد بـ15. وتحالف الاتحاد مع الجيل الجديد، وهما يملكان معاً 38 مقعداً، وطالبا بنصف التشكيلة الحكومية. ويرفض الديمقراطي ذلك معتبراً أن مقاعد أحزاب أخرى ترجّح كفته، مع قبوله مشاركة غريمه في الحكومة على أساس متوازن.

ويتعين على البرلمان بعد انتخاب رئيسته اختيار رئيس للإقليم خلفاً لنيجيرفان بارزاني، ثم رئيس لحكومة الإقليم خلفاً لمسرور بارزاني. ويُخشى أن تتكرر تجربة الإدارتين المنفصلتين في أربيل والسليمانية التي استمرت بين عامي 1998 و2005 عقب الاقتتال بين الحزبين.

ما المنتظر؟

تنتظر الساحة السياسية جلسة البرلمان يوم الاثنين 9 تشرين الثاني، وإخلاء ممثلي الاتحاد مكاتبهم الحكومية اليوم الأحد. وسط ترجيحات في أن تنتقل المواجهة إلى المحكمة الاتحادية العليا في بغداد عبر طعن في الجلسة. وفي 7 تشرين الثاني دعا المؤتمر القومي الكردستاني (KNK) قيادتي الحزبين وسائر القوى إلى حوار شامل، وأعلن استعداده للوساطة.