نشر الصحفي ومنتج الأفلام الوثائقية الحائز على جوائز، الألماني - التركي حسين دوغرو، وزميله التركي المقيم في ألمانيا إمراه جيلاسين، في 30 أيلول الفائت، تحقيقاً استقصائياً شاملاً ينطوي على مضامين بالغة الأهمية، وذلك تحت عنوان "إندونيسيا 1965: كيف مولت ألمانيا إبادة جماعية". كما عرضا فيلماً وثائقياً مدته 45 دقيقة إلى جانب مواد مرجعية جُمعت بدقة متناهية، بما في ذلك نسخ ضوئية للوثائق، استناداً إلى أبحاث أرشيفية موسعة وتحليل لأكثر من ألف صفحة من الوثائق التي رُفعت عنها السرية. وتعود معظم هذه الوثائق إلى الأرشيف السياسي لوزارة الخارجية الألمانية في برلين، والأرشيف الألماني الاتحادي في مدينة كوبلنتس، وكذلك إلى واشنطن. ويستعرض التحقيق تفاصيل دعم ألمانيا الغربية وجهاز المخابرات الألماني للمجلس العسكري الإندونيسي بقيادة الجنرال سوهارتو في خططه للاستيلاء تدريجياً على السلطة السياسية في الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا، بل وأكثر من ذلك: القضاء تماماً على "آفات الشيوعية" هناك.
بعبع الشيوعية
في منتصف ستينيات القرن العشرين، كان الحزب الشيوعي الإندونيسي يضم، وفقاً لمعطياته، أكثر من ثلاثة ملايين عضو، مما جعله ثالث أقوى حزب شيوعي في العالم بعد الحزبين الشيوعيين في جمهورية الصين الشعبية والاتحاد السوفيتي؛ فضلاً عن ذلك، كان الحزب يستند إلى قاعدة جماهيرية عريضة تناهز 20 مليون نسمة. ولم يكن مستغرباً أن تدق أجراس الخطر في الغرب حين فكّر الرئيس الإندونيسي سوكارنو في تأسيس محور "جاكرتا - بكين"؛ إذ سعت حكومات كل من استراليا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية، مدفوعةً بحسابات ا أيديولوجية وسياسية واقتصادية وجيواستراتيجية- إلى بذل قصارى جهدها للحيلولة دون تحقق سيناريو كهذا في أكبر دول جنوب شرق آسيا مساحةً وسكاناً. وفي هذا السياق، برز الجيش الإندونيسي كحليف "طبيعي"، لا سيما وأن الحزب الشيوعي الإندونيسي كان مثل شوكه في خاصرة الجيش، منذ سنوات طويلة.
الانقلاب
في معرض حديثهما عن الأحداث السياسية والعسكرية المتسارعة التي شهدتها العاصمة الإندونيسية جاكرتا وضواحيها عقب 30 ايلول 1965، يكتب المؤلفان دوغرو وجيلاسين: «في الأول من تشرين الاول 1965، أحكم الجيش الإندونيسي قبضته على البلاد. ففي ليلة 30 سبتمبر، قامت مجموعة من الضباط - أطلقت على نفسها اسم "حركة 30 سبتمبر" - بقيادة المقدم أونتُونغ من الحرس الرئاسي، باختطاف وقتل ستة جنرالات من القيادة العليا للجيش. وفي غضون ساعات، تمكن اللواء سوهارتو - قائد الاحتياطي الاستراتيجي للجيش (كوستراد) - من سحق الحركة؛ وخلال أيام، حمّل الجيشُ الحزبَ الشيوعي المسؤولية عن كل ما جرى، ليتولى سوهارتو (1921–2008) زمام القيادة".
اتخذ سوهارتو وأعوانه من الصراعات الداخلية في المؤسسة العسكرية ذريعةً لشن حملة قمعية وحشية ضد الحزب الشيوعي الإندونيسي، بتهمة مسؤوليته عن مقتل الجنرالات الستة. وتم حُظر نشاط الحزب، وأصبح أعضاؤه والمتعاطفون معه هدفاً مباحاً للقتل؛ وتلا الحظرَ ارتكابُ مجازرَ مروعة، حيث سيق مدنيون عزلٌ بأعداد غفيرة إلى حتفهم كما تُساق الأغنام إلى المسلخ. وفي وقت لاحق، قدّر ساروو إيدي (1925–1989) - قائد قوات المظليين الخاصة التابعة للجيش، عدد الذين أُعدموا ما بين "مليونين وثلاثة ملايين" ضحية.
تواطؤ ألماني
تكشف وثائق المخابرات الألمانية ووثائق الحكومة الألمانية، أن دبلوماسيين وعناصر مخابرات ألماناً وثّقوا بدقة متناهية حجم عمليات القتل الجماعي؛ ففي وقت مبكر يعود إلى تشرين الثاني 1965، وصف تقرير داخلي للجهاز -يحمل الاسم الرمزي "فورينفالد" ما يجري بأنه "عملية ذبح حقيقية للشيوعيين". وبحلول شباط 1966، كانت وثائق صادرة من العاصمة بون حينها تُقدّر أعداد الضحايا بقرابة 800 ألف. ورغم هذه المعرفة، وصفت جهات ألمانية عمليات التطهير تلك في مراسلاتها الداخلية، بأنها "خطوة تصحيحية تخدم مصالحنا تماماً".
في أواخر تشرين الثاني 1965، حيث كانت عمليات القتل الجماعي في إندونيسيا على أشدها، - استقبل كارل كارستنز، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير الدولة في وزارة الخارجية، والذي أصبح لاحقاً رئيساً لألمانيا الغربية، العميد أحمد سوكيندرو، وزير الدولة في جاكرتا. وقد طلب الأخير صراحةً المزيد من رؤوس الأموال والخبرات الفنية الألمانية، وذلك بهدف "ضمان استمرار المسار المعادي للشيوعية". ولتوضيح ما يعنيه، أشار الجنرال إلى أن "الخطر لا ينحصر بالحزب الشيوعي الإندونيسي فقط، بل يكمن في الشيوعية بحد ذاتها". وردّ كارستنز بأن بلاده ستبذل "قصارى جهدها" لدعم إندونيسيا في ضوء "الاتجاه الراهن لتطورها السياسي"؛ وبذلك، كانت الأموال التي جرى الحديث عنها لاحقاً مخصصة صراحةً لدعم النهج المعادي للشيوعية الذي تبناه الجيش الإندونيسي.