اخر الاخبار

لم يكن انخراط النساء في صفوف الحزب الشيوعي العراقي فعلًا سياسيًا عابرًا، بل كان إعلانًا مبكرًا بأن معركة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن معركة تحرر المرأة. فمنذ أربعينيات القرن الماضي، دفعت مناضلات شيوعيات أثمانًا باهظة لمواقفهن؛ إذ تعرضن للاعتقال والتعذيب والملاحقة، وبعضهن قدمن حياتهن ثمنًا لتمسكهن بقيم المساواة. ولم يكن نضالهن موجَّهًا فقط ضد الأنظمة القمعية المتعاقبة، بل أيضًا ضد البنى الاجتماعية التي حصرت دور المرأة في الهامش، وأنكرت عليها حق المشاركة في الشأن العام.

شهيدات الحزب لم يرفعن شعارات نظرية فحسب، بل انخرطن في تنظيم النساء العاملات والطالبات وربات البيوت، ودافعن عن حق التعليم والعمل والأجر العادل والمشاركة السياسية. وفي لحظات القمع الشديد، كنّ حلقة الوصل بين العمل السري والعمل الجماهيري، مؤمنات بأن تحرر المجتمع يبدأ بتحرر نسائه. 

من ساحات الاحتجاج إلى زنازين القمع

في حقب متعاقبة، خاصة في فترات الحكم الدكتاتوري، كانت النساء الشيوعيات هدفًا مباشرًا لأجهزة القمع. كثيرات اختفين قسرًا، وأخريات أُعدمن أو استشهدن تحت التعذيب. أسماء كثيرة لم يُتح لها أن تُدوَّن في سجلات رسمية، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة الرفيقات والرفاق، وفي وجدان الحركة النسوية العراقية.

لقد واجهت الشهيدات قمعًا مزدوجًا: قمع السلطة السياسية، وقمع الصورة النمطية التي ترى في المرأة كائنًا تابعًا. ومع ذلك، لم يتراجعن عن المطالبة بقوانين عادلة تنصف المرأة في الزواج والطلاق والميراث والحضانة، وتمنحها حقها في تقرير مصيرها. كانت مطالبهن واضحة: دولة مدنية، قانون يحمي الجميع دون تمييز، وعدالة اجتماعية لا تتجزأ.

قانون الأحوال الشخصية موضوع صراع مستمر

شكّل صدور قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 محطة مهمة في تاريخ حقوق المرأة، إذ عُدّ آنذاك من أكثر القوانين تقدمًا في المنطقة. وساهمت القوى الديمقراطية، ومن ضمنها الحزب الشيوعي، في الدفاع عنه باعتباره مكسبًا للنساء، خصوصًا فيما يتعلق بتنظيم الزواج والطلاق والحضانة.

غير أن هذا القانون ظل ساحة صراع مفتوحة. فمع كل تحول سياسي، كانت تبرز محاولات لتعديله أو تفريغه من مضمونه المدني تحت ذرائع دينية أو اجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول تعديلات أصبحت قانونًا نافذًا يمس جوهر الحماية القانونية للنساء، لا سيما في قضايا الحضانة والزواج المبكر. وباتت المرأة العراقية تخشى أن تفقد حتى الضمانات التي انتزعتها أجيال سابقة بدماء الشهيدات والمناضلات.

حق الحضانة معركة الأمومة والكرامة

من أكثر القضايا إيلامًا اليوم مسألة الحضانة. فبعض التوجهات التشريعية والممارسات القضائية تجعل الأم في موقع هش، مهددة بفقدان حضانة أطفالها، لتجد نفسها في معركة قانونية مرهقة تستنزفها نفسيًا وماديًا، فقط كي تحافظ على حقها الطبيعي في رعاية أطفالها.

هنا تتقاطع تضحيات الشهيدات مع الواقع الحاضر. فالنساء اللواتي قدمن حياتهن وهن يطالبن بدولة قانون ومساواة، لم يكن يتصورن أن تصل الأمور إلى حد التشكيك بحق الأم في حضانة أطفالها. إن سلب هذا الحق لا يمس المرأة وحدها، بل يضرب استقرار الأسرة ومصلحة الطفل، التي يجب أن تكون المعيار الأول في أي تشريع.

بين الذاكرة والمسؤولية

استذكار شهيدات الحزب الشيوعي العراقي ليس طقسًا عاطفيًا، بل فعلا يسائل الحاضر: ماذا تحقق من أحلامهن؟ وهل اقترب العراق من الدولة المدنية التي ناضلن من أجلها؟ يشير الواقع إلى تقدم نسبي في تمثيل النساء سياسيًا، لكنه تقدم هش يصطدم بمحاولات مستمرة لتقييد الحقوق المكتسبة.

فالمرأة تواجه اليوم تحديات مركبة: بطالة، عنف أسري، زواج مبكر، ضعف الحماية القانونية، ونظرة دونية لدورها العام. وفي ظل أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة، غالبًا ما تكون حقوق النساء أول ما يُساوَم عليه. لذلك، فإن استحضار سيرة الشهيدات يجب أن يتحول إلى برنامج عمل: الدفاع عن قانون مدني عادل، وتعزيز استقلال القضاء، وتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا.

وفاء للدم.. باستعادة المسار

لقد آمنت الشهيدات بأن حرية المرأة ليست قضية فئوية، بل ركيزة لبناء مجتمع ديمقراطي. ودمج نضالهن في المعركة الراهنة يعني رفض أي تشريع ينتقص من كرامة المرأة أو يحولها إلى تابع قانوني. كما يعني الإصرار على أن حق الحضانة، وحق العمل، وحق المشاركة السياسية، ليست امتيازات تُمنح، بل حقوقا أصيلة.

إن العراق الذي حلمت به الشهيدات هو عراق المواطنة، حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بجنسه، ولا تُختزل الأمومة في ورقة حكم قضائي قد يُسلب في أي لحظة. وبين الذاكرة والواقع، تبقى المسؤولية قائمة: أن يتحول إرث التضحية إلى قوة ضغط مدنية وتشريعية تضمن ألا تُهدر تضحيات النساء اللواتي كتبن أسماءهن بدمائهن في سجل الحرية.

فوفاءً لهن، لا يكفي أن نذكر أسماءهن في المناسبات، بل أن نواصل الطريق ذاته: طريق العدالة والمساواة، وصون حق المرأة في أن تكون مواطنة، وأمًا لا يُنتزع منها أطفالها بقرار مجحف أو قراءة مبتسرة للقانون.