اخر الاخبار

العربي الجديد

لم تعد احتجاجات الأطباء الشباب في العراق حدثاً عابراً أو مطلباً مهنياً محدوداً، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ظاهرة امتدت من العاصمة بغداد إلى عدد من المحافظات، مع تصاعد غضب آلاف الأطباء المتعاقدين الذين يعملون منذ أشهر من دون رواتب أو ضمانات وظيفية، الأمر الذي يضع القطاع الصحي في البلاد بمواجهة أزمات جديدة. إذ لم يحصل الأطباء من خريجي دفعة عام 2024، على تعيينات رسمية، بل أبرمت معهم وزارة الصحة عقود عمل في المستشفيات والمراكز الصحية براتب بسيط لا يتجاوز 400 ألف دينار عراقي (نحو 270 دولاراً)، ورغم ذلك لم تصرف الوزارة رواتبهم منذ 4 أشهر، الأمر الذي دفعهم الى الاحتجاج.

وشهدت بغداد ونينوى والنجف والبصرة ومحافظات أخرى في الأيام الأخيرة، وقفات احتجاجية وإضراب عن العمل نظمها أطباء حديثو التخرج متعاقدون مع المؤسسات الصحية الحكومية، مطالبين بتثبيتهم بالملاك الدائم وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، ويرى المحتجون أن سنوات طويلة من الدراسة والتدريب انتهت بهم إلى أوضاع معيشية صعبة لا تتناسب مع طبيعة المهنة والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

ويقول أطباء مشاركون في الاحتجاجات إن المشكلة لا تتعلق فقط بتأخر الرواتب، بل بمنظومة تشغيل كاملة تعتمد على العقود المؤقتة، ما يجعل آلاف الخريجين في حالة من عدم الاستقرار المهني والمالي، رغم حاجة المؤسسات الصحية إلى خدماتهم. وقال أحد منظمي الاحتجاجات الطلابية، الطبيب عبد الله الخالدي: "نواجه ظلماً كبيراً من قبل وزارة الصحة. أعداد كبيرة من الأطباء أكثر من 5 آلاف طبيب في بغداد فقط لم يحصلوا على رواتبهم منذ 4 أشهر، فضلاً عن أعداد أكبر في المحافظات الأخرى"، مبيناً لـ"العربي الجديد" أن "الوزارة لم تمنحنا حقنا في التعيين، بل أبرمت معنا عقوداً لا تتناسب مع ما نؤديه من ساعات عمل طويلة يومياً في المستشفيات"، مؤكداً بقوله: "نطالب بحقوقنا المالية والإدارية التي تحفظ كرامتنا"، ومشيراً إلى أن "حركة الاحتجاجات والإضراب عن العمل ستتسع في مستشفيات العراق كافة، ولن نتراجع إلا بعد تحقيق مطالبنا، وعلى رأسها التعيين على الملاك الدائم وصرف رواتب كاملة تساوي رواتب الأطباء المقيمين من الدفعات السابقة".

وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت يواجه فيه العراق تحديات صحية متراكمة، تشمل الضغط المتزايد على المستشفيات الحكومية ونقص بعض الاختصاصات الطبية، وهو ما يجعل أزمة الأطباء الشباب أكثر حساسية، نظراً لارتباطها المباشر بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. ويرى مراقبون أن اتساع رقعة الاحتجاجات يعكس حجم الإحباط المتراكم لدى شريحة من الأطباء الذين كانوا ينظرون إلى التعيين الحكومي باعتباره المسار الطبيعي بعد التخرج، إلا أن القيود المالية وتراجع فرص التوظيف الدائم دفعت أعداداً منهم إلى العمل بعقود مؤقتة أو انتظار مستحقات مالية لفترات طويلة.

وقال عضو نقابة الأطباء العراقيين، عمار الكرخي، إن "الطبيب العراقي يقضي سنوات طويلة في الدراسة والتدريب قبل الالتحاق بسوق العمل، ما يجعل مسألة عدم انتظام الرواتب أو غياب الاستقرار الوظيفي أكثر تأثيراً بحياته الشخصية وقدرته على الاستمرار في المهنة"، مشدداً في تصريحه لـ"العربي الجديد"، على أن "الملف يثير مخاوف من تنامي رغبة الأطباء الشباب في الهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً. فقد شهد العراق خلال السنوات الماضية موجات هجرة لكفاءات طبية نحو دول عربية وأجنبية، مدفوعة بعوامل تتعلق بالأجور وبيئة العمل والضمانات المهنية"، محذراً من أن "استمرار الأزمة قد ينعكس على القطاع الصحي بأكمله، إذ إن المستشفيات تعتمد بشكل متزايد على الأطباء الشباب في تغطية العمل اليومي وتقديم الخدمات الأساسية للمرضى، وفي حال استمرار الاحتجاجات أو توسعها، فقد تواجه المؤسسات الصحية صعوبات إضافية في إدارة احتياجاتها البشرية".

في المقابل، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على معالجة شاملة للمشكلة، وتتجنب وزارة الصحة التعليق، رغم اتساع دائرة المطالبات. ويقول محتجون إن الاستجابة الحكومية لا تزال دون مستوى الأزمة، بينما يطالبون بخطوات عملية تشمل صرف المستحقات المتأخرة ووضع آليات واضحة للتثبيت الوظيفي وتحسين ظروف العمل. ولا تبدو أزمة الأطباء الشباب منفصلة عن التحديات الاقتصادية الأوسع التي يواجهها العراق، لكنها تكشف في الوقت نفسه مفارقة لافتة، في بلد يسعى لتطوير قطاعه الصحي وتوسيع خدماته، بينما يجد نفسه أمام احتجاجات متصاعدة من كوادر يفترض أن تشكل العمود الفقري لمستقبل هذا القطاع.

ومع استمرار الاحتجاجات واتساعها إلى محافظات عدة، تتجاوز القضية حدود المطالب المالية لتصل إلى قدرة الدولة على الاحتفاظ بكوادرها الطبية الشابة وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المهني لها، فالأطباء الذين يقفون اليوم في ساحات الاحتجاج هم أنفسهم من ينتظر منهم غداً قيادة المؤسسات الصحية وتقديم الرعاية لملايين العراقيين، ما يجعل معالجة أزمتهم اختباراً حقيقياً لمستقبل النظام الصحي في البلاد