اخر الاخبار

تمر الذكرى الثانية والتسعون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي في لحظة حساسة من تاريخ البلاد، حيث تتعرض مكتسبات المرأة العراقية لهجمة قانونية وتشريعية تهدد واحدا من أهم منجزات الدولة المدنية، وهو قانون الأحوال الشخصية.

وفي وقت كان يفترض فيه أن تتجه السلطات إلى تعزيز حقوق النساء وحمايتهن من الفقر والعنف والتمييز، جاءت التعديلات الأخيرة لتعيد النقاش إلى مربع التراجع، وتفتح الباب أمام تقويض حقوق تحققت بدماء ونضالات أجيال من النساء والتقدميات منهن بشكل خاص.

منجز وطني يتعرض للتقويض

لم يكن قانون الأحوال الشخصية مجرد نص قانوني عابر، بل كان نتيجة نضال طويل خاضته الحركة الوطنية والديمقراطية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، إلى جانب الحركة النسوية التي قادتها رابطة المرأة العراقية. وقد شكل هذا القانون لعقود أحد أهم ركائز حماية المرأة والأسرة، وكرس مبدأ المساواة والعدالة في قضايا الزواج والطلاق والحقوق الأسرية.

لكن ما جرى اليوم من تشريع لتعديلات، لا يمكن وصفه إلا بأنه تراجع خطير، ومحاولة منظمة لإضعاف مكانة المرأة وإعادة المجتمع إلى أنماط قانونية متخلفة، تتعارض مع روح الدولة المدنية ومع مبادئ الدستور، الذي ينص على المساواة بين المواطنين. إن فرض تعديلات غير منصفة على قانون الأحوال الشخصية يعني ببساطة الانتقاص من حقوق النساء وتحويل القانون من أداة حماية إلى أداة ضغط اجتماعي.

التشريع كأداة للصراع الاجتماعي

ولا يمكن بالتأكيد فهم تشريع هده التعديلات بمعزل عن طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي في العراق. فالقانون ليس محايدا، بل يعكس توازن القوى داخل المجتمع. وعندما تتراجع حقوق المرأة، فإن ذلك يعكس صعود قوى محافظة تسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية عبر السيطرة على التشريعات.

إن تقييد حقوق النساء في قانون الأحوال الشخصية يمثل محاولة لإبقائهن في موقع التبعية الاقتصادية والاجتماعية، وإبعادهن عن المشاركة الفاعلة في المجتمع والإنتاج. ويتقاطع هذا مع واقع اقتصادي يعاني بسببه الناس من البطالة والفقر وغياب العدالة الاجتماعية، حيث تصبح المرأة الحلقة الأضعف في منظومة الأزمات المتراكمة.

إن هذا المسار لا يهدد النساء فقط، بل يهدد المجتمع كله، لأن تراجع حقوق المرأة يعني تراجع قيم الديمقراطية والحداثة، وفتح الباب أمام المزيد من الانقسامات والتراجع المدني.

موقف واضح وصريح

في هذه اللحظة الحرجة، يبرز موقف الحزب الشيوعي العراقي بوصفه موقفا واضحا وصريحا في رفض التعديلات الجائرة والدفاع عن مكتسبات المرأة. فالحزب، الذي جعل قضية المرأة جزءا من برنامجه منذ تأسيسه، يرى أن أي مساس بقانون الأحوال الشخصية يمثل مساسا بجوهر الدولة المدنية وبحقوق الإنسان.

كما أكد الحزب في مواقفه وبياناته على أن حماية المرأة ليست قضية فئوية، بل قضية وطنية تتعلق بمستقبل المجتمع كله، داعيا إلى وقف التعديلات التي تنتقص من حقوق النساء والعمل على تطوير التشريعات بما ينسجم مع مبادئ العدالة والمساواة.

كما يواصل الحزب دعمه للحركة النسوية ومنظمات المجتمع المدني، ويعمل على تعزيز الوعي الجماهيري بخطورة هذه التعديلات، إيمانا بأن الدفاع عن الحقوق لا يتحقق إلا عبر الضغط الشعبي والتنظيم الديمقراطي.

مناضلات صنعن التاريخ

إن استذكار تجربة المناضلات الشيوعيات كنزيهة الدليمي وبثينة شريف وخانم زهدي وسافرة حافظ جميل وغيرهن، وكوكبة الشهيدات كعائدة ياسين وعميدة عذبي ونجية الركابي وزينب الألوسي والمئات من رفيقاتهن، لا يأتي من باب الحنين إلى الماضي، بل من باب التذكير بأن المنجزات التي تحققت لم تكن هبة من أحد، بل جاءت نتيجة نضال طويل وتضحيات كبيرة. فقد خاضت هذه القيادات معارك سياسية واجتماعية صعبة من أجل إصدار قانون يحمي المرأة ويصون كرامتها.

واليوم، تقع على عاتق القوى الديمقراطية مسؤولية الدفاع عن هذا الإرث وعدم السماح بالتراجع عنه. فالصمت أمام التشريعات الجائرة يعني القبول بتفكيك منجزات تاريخية، والتخلي عن مبادئ العدالة التي ناضلت من أجلها أجيال من العراقيين.

 

دعوة إلى المواجهة الديمقراطية

إن الذكرى 92 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي ليست مناسبة للاحتفال فقط، بل هي دعوة مفتوحة إلى المواجهة الديمقراطية السلمية دفاعا عن مكتسبات المرأة وعن الدولة المدنية.  فالتاريخ أثبت أن الحقوق لا تمنح بل تنتزع بالنضال، وأن القوى التقدمية قادرة على حماية المجتمع عندما تتوحد حول مشروع وطني ديمقراطي.

إن حماية قانون الأحوال الشخصية والدفاع عن حقوق المرأة العراقية اليوم يمثلان اختبارا حقيقيا لمستقبل العراق، فإما أن يسير البلد نحو دولة المواطنة والعدالة، أو ينزلق إلى مزيد من التراجع والتفكك الاجتماعي.

في هذه الذكرى، يتجدد التأكيد على أن نضال الحزب الشيوعي العراقي سيبقى منحازا للمرأة وللعدالة وللدولة المدنية، وأن الدفاع عن مكتسبات النساء هو دفاع عن كرامة العراق نفسه، وعن حق أبنائه وبناته في العيش في مجتمع حر وعادل يرفض الظلم والتشريعات الجائرة.