اخر الاخبار

مرت الذكرى الثانية والتسعون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، حاملة معها تاريخا طويلا من النضال، لتمثيل الطبقة العاملة، الطبقة التي دفعت أثمانا باهظة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فمنذ تأسيسه، لم يكن الحزب الشيوعي تنظيما سياسيا تقليديا، بل ولد من رحم معاناة العمال والفلاحين والكادحين، حاملا مشروعا وطنيا يسعى إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية وضمان حقوق الفئات المنتجة في المجتمع.

النقابات، ساحة الصراع الأولى

شكلت النقابات العمالية على مدى عقود ساحة الصراع الأساسية للدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، وكان للحزب الشيوعي العراقي دور بارز في تنظيمها وحمايتها من محاولات التهميش والتدجين. فالنقابة لم تكن مجرد إطار مهني، بل كانت أداة نضال جماهيري لانتزاع الحقوق في الأجور والضمان الاجتماعي وساعات العمل والبيئة المهنية الآمنة.

واليوم، حيث تعاني الطبقة العاملة من نتائج سياسات اقتصادية خاطئة، رسخت الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، وأهملت القطاعات الإنتاجية الحيوية، وأُغلقت أو عطّلت المصانع وأضعفت شركات الدولة، دون أن تدعم القطاع الخاص، وسارت بالبلاد إلى تدمير ممنهج للقطاع الصناعي، وحولت السوق العراقية إلى سوق استهلاكية مفتوحة للمنتجات الأجنبية، تصبح مهمة تنشيط النقابات وتفعيل دورها المهمة الأرأس لكل المدافعين عن العدالة وفي طليعتهم الحزب الشيوعي العراقي.

وتزداد أهمية هذا الدور مع ما تواجهه الحركة النقابية من تضييق واضح، ومحاولات لإضعاف دورها وتحجيم تأثيرها، عبر قوانين وإجراءات تعرقل استقلالها وتمنعها من أداء دورها الحقيقي، الأمر الذي جعل الكثير من العمال بلا صوت حقيقي يدافع عن حقوقهم.

لقد فشلت هذه السياسات في تحقيق أية تنمية، وزادت معدلات البطالة ودفعت بآلاف العمال إلى العمل المؤقت أو اليومي، دون أي ضمانات قانونية أو اجتماعية، مما أدى الى زيادة متسارعة في معدلات الفقر والى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

العمل الهش.. استغلال بلا رقيب

كما أصبح انتشار العمل غير المنظم، حيث يعمل آلاف العمال دون عقود رسمية أو تأمين صحي أو تقاعد، أحد أخطر التحديات التي تواجه الطبقة العاملة. وفي ظل ضعف الرقابة الحكومية، بات العامل الحلقة الأضعف في معادلة السوق، يتعرض للاستغلال وساعات العمل الطويلة والأجور المتدنية، دون وجود جهة رسمية تضمن حقوقه أو تحميه من التعسف. إن هذا الواقع يعكس خللا واضحا في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، ويؤكد أن حقوق الطبقة العاملة لم تعد ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة.

صوت المدافعين عن العدالة الاجتماعية

في مواجهة هذا الواقع، يواصل الحزب الشيوعي العراقي نضاله دفاعا عن حقوق الطبقة العاملة، من خلال الدعوة إلى إعادة بناء القطاع الصناعي، وتنويع الاقتصاد الوطني، وتفعيل قوانين العمل والضمان الاجتماعي، وضمان حرية التنظيم النقابي.

كما يطرح الحزب رؤية واضحة تقوم على دعم الإنتاج الوطني، ووقف سياسات الخصخصة العشوائية، وتوفير فرص عمل حقيقية تحفظ كرامة العامل وتمنع استغلاله. ويؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست شعارا سياسيا، بل حق دستوري يجب أن يتحقق عبر سياسات اقتصادية عادلة وتنمية حقيقية.

الديمقراطية شرط لحماية حقوق العمال

ويرى الحزب الشيوعي العراقي أن الدفاع عن الطبقة العاملة لا ينفصل عن النضال من أجل الديمقراطية والحريات العامة. فالعامل الذي لا يمتلك حرية التنظيم والتعبير والاحتجاج لا يستطيع الدفاع عن حقوقه، والنقابة التي تُقيّد لا يمكن أن تحمي منتسبيها. لذلك يربط الحزب بين النضال النقابي والنضال الديمقراطي، باعتبار أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظل الفساد والاستبداد والاقتصاد الريعي.

النساء العاملات والشباب في قلب المعركة

يولي الحزب اهتماما خاصا بالنساء العاملات والشباب، الذين يعانون من التهميش والبطالة والتمييز في فرص العمل والأجور. فالكثير من النساء يعملن في ظروف صعبة دون حماية قانونية كافية، فيما يواجه الشباب انسدادا في الأفق الاقتصادي وغياب فرص العمل، ما يدفعهم إلى الهجرة أو العمل غير المستقر. ومن هنا يواصل الحزب دعوته إلى سياسات عادلة تضمن المساواة في الأجور والفرص، وتوفر بيئة عمل آمنة تحفظ كرامة الجميع.

92 عاما والنضال مستمر

إن الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي ليست مجرد مناسبة تاريخية، بل محطة لتجديد العهد مع الطبقة العاملة العراقية، والتأكيد على أن معركة الدفاع عن حقوقها ما زالت مستمرة.

فبين اقتصاد ريعي يهمّش الإنتاج، ونقابات تواجه التضييق، وعمال يعانون من البطالة والأجور المتدنية، يبقى صوت الحزب الشيوعي العراقي منحازا بوضوح إلى الكادحين، حاملا راية العدالة الاجتماعية، ومؤكدا أن العراق لا يمكن أن ينهض دون إنصاف طبقته العاملة وضمان حقوقها المشروعة.