تعد النقابات، باعتبارها جزءاً من البناء الفوقي،أحد أهم المؤسسات الاجتماعية، التي تلعب دوراً في صيانة السلم الأهلي، وفي تحقيق التقدم الاجتماعي، عبر دفاعها المتعدد الأشكال عن حقوق منتسبيها وجميع العاملين في قطاعاتها، وسعيها إلى تحسين ظروف العمل، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، فضلاً عن تنمية الوعي بالحقوق والواجبات. كما لعبت النقابات دوراً متميزاً أيضاً في المطالبة بالحريات العامة والخاصة، وفي الدفاع عن استقلال البلدان وسيادتها وخلاصها من التبعية والاستغلال. وكلما كانت النقابات فاعلة ومنظمة، كانت أكثر قدرة على تمثيل منتسبيها بصورة مسؤولة، والمشاركة في إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
ويزداد دور النقابات أهمية في الدول الرأسمالية الريعية الطفيلية التابعة، التي يجري فيها تعميق الاستغلال دون وجود برجوازية وطنية منتجة، وإعادة توجيه الدولة من دولة تنموية إلى دولة ريعية، والقيام بتدمير مبرمج للقطاعات الإنتاجية، وتبني سياسات الليبرالية الجديدة بصورة واضحة، والتخلي عن دور الدولة في تقديم الخدمات. وتقع على النقابات، حينئذ، مهمة الدفاع عن المؤسسات الإنتاجية، والكفاح من أجل رفع الوعي الطبقي، وتعزيز مكانة الهوية الوطنية، ومواجهة الفساد وفضح الفاسدين، والمطالبة بفرص عمل، وخدمات أساسية، وتشريعات تضمن الحقوق والحريات.
ونتيجة للخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي تسببه الرأسمالية الريعية، وما يرافقه من مسخ للحياة السياسية ولجوء إلى القمع والاستبداد، وما يلحقه ذلك من أضرار كبيرة بأغلبية الشعب، تصبح الاحتجاجات الشعبية وسيلة من وسائل التعبير السلمي عن الرأي، والمطالبة بالإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات العامة، والأداة المتينة للخلاص من هذا الخراب.
وعلى ضوء ذلك، يصبح من البديهي أن يسير النشاطان، النقابي والاحتجاجي، في المسار ذاته، فيرفد كلُّ منهما الآخر ويغتنيان ببعضهما البعض، لاسيما وأن أهدافهما في الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة متطابقة. وكما يتطلب تنشيط العمل النقابي تعزيز المشاركة الديمقراطية داخل النقابات، وتطوير برامج التكوين والتأهيل للنقابيين، وتشجيع الحوار المستمر بين مختلف الأطراف، يستلزم نجاح الاحتجاجات الشعبية الالتزام بالسلمية، ووضوح الأهداف، والتنظيم الجيد والبرمجة والقيادة المنتخبة ديمقراطياً. وفي الوقت نفسه يحتاج الأمران إلى تكاتف وتنسيق متواصلين، وإلى المرونة في التعامل البيني، وتحرير ساحة الكفاح من الاحتكار أو الهيمنة، وجعل الهم الوطني والطبقي هاجس الجميع.