الحكم في العهد الملكي، احتكار السلطة وتهميش الإرادة الشعبية
تمثل أزمة المياه في العراق عقدة متشابكة الأسباب، تتصدرها الإخفاقات السياسية في تأمين الأمن المائي وحفظ حصص البلاد التاريخية مع دول المنبع ( تركيا، سورية، وإيران). وهذا الاجحاف بحقوق العراقيين ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لنهج متجذر من التفريط والتهاون، أرسى قواعده النظام الملكي وتوارثته الحكومات المتعاقبة.
وتحديدا تم أرساء دعائم التفريط بالثروة الوطنية في الحقبة الملكية، فتكتسب تلك الحقبة ثقلا تاريخيا خاصا، إذ كان العراق حينها يمسك بزمام القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة، وكان بمقدور حكومات العهد الملكي انتزاع حقوق الشعب العراقي المائية لولا انصياع بوصلتها وتطلعاتها لخدمة المستعمر البريطاني وتغليب مصالحه على مقدرات البلاد الحيوية.
وبدلا من استثمار نفوذ العراق ودور دبلوماسيته حينها لفرض حقوقه المائية، انقادت السياسة العراقية لخدمة الأجندات البريطانية والأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وتوج ذلك بمشروع -حلف بغداد-. هذا التغافل عن الحقوق المائية التاريخية لحساب صراعات دولية، يجسدها ما يمكن تسميته ب ‘دبلوماسية العطش‘، كتعريف لسياسة التفريط بالأمن المائي للبلاد.
ليس بوسعنا غض الطرف عن الاختلالات السياسية وسوء الإدارة الداخلية لثرواتنا المائية، فقد أدى تسلل الفساد الإداري إلى مفاصل المؤسسات المعنية إلى تكبيلنا بالأساليب القديمة التي تستنزف المياه هدرا، إلى جانب اتساع رقعة التجاوزات على شبكات التوزيع وتهالك البنى التحتية في حواضر العراق. ويضاف إلى ذلك كله القصور في تبني استراتيجيات عصرية لإدارة مياه الشرب والزراعة. ورغم جسامة هذه التحديات المحلية، يظل هاجسنا الأكبر ومحور تركيزنا منصبا على تأمين حصصنا العادلة مع دول المنبع والدول الممر للموارد المائية.
أسفر غياب سياسة مائية وطنية استراتيجية في العهد الملكي عن ابتلاء العراق بانتكاسات جفاف قاسية خلال الحقبة (1921- 1958) ولعل اشدها قسوة تلك الأزمة التاريخية التي عصفت بالبلاد في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أفضت إلى انحسار مياه نهر الحلة وجفاف مجراه. وقد تضافرت عوامل الطبيعة - من شح في الامطار وتقلبات مناخية- مع غياب البنى التحتية كالسدود الخزنية، لتعمق مأساة البلاد، في حين اقتصرت المعالجات الرسمية حينها على تدابير ارتجالية وحلول عشوائية لم تكن ترقى لتجاوز الأزمة بقدر ما سعت لدرء خطر الفيضانات.
ولم يقتصر سبب اشتداد معاناة العراقيين على غياب الاستراتيجيات المائية الرشيدة، بل عمقها غياب العدالة في توزيع الثروات. وقد أسفر ذلك عن بروز طبقة إقطاعية ترهن ولاءها للمستعمر الإنكليزي وحكومات النظام الملكي المتعاقبة، غاضة الطرف عن مصلحة الشعب، بل ومساندة لسياسات البطش والقمع الدموي ضد الفقراء والضعفاء.
ونتيجة للسياسات التي أدت إلى هدر الثروات والمصالح الوطنية، انطلقت ثورة 14 تموز تلبية للإرادة الشعبية العراقية، لتكون حركتها العسكرية التعبير الميداني والمنفذ لهذا الحراك الجماهيري. ورغم تصدي النخبة العسكرية ( تنظيم الضباط الأحرار) للمشهد التنفيذي، إلا أن هذا التغيير ارتكز على قاعدة سياسية شعبية متينة قوامها التنسيق المشترك مع قوى وأحزاب سياسية تمتلك امتدادا واسعا ونفوذا قويا في الشارع العراقي.
فقد مر العراق بحقبة من السخط الشعبي والاحتقان الجماهيري الواسع ضد النظام الملكي، الذي تمحورت أولوياته حول رهن مقدرات البلاد، وإخضاع المصالح الوطنية لخدمة الأجندات البريطانية والأمريكية، وتلبية طموحات العوائل الحاكمة. فأعيدت هندسة الاقتصاد العراقي والنظام الاجتماعي لفرض تبعية مطلقة تتوافق مع مصالح القوى الاستعمارية، وهو ما أسفر عن إقصاء الأغلبية الساحقة من العراقيين ووقوعهم في براثن الفقر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أقحم العراق في أحلاف عسكرية مشبوهة لا ناقة للشعب فيها ولا جمل، وإنما وجدت لتأمين النفوذ البريطاني والأمريكي. لقد غاب التخطيط لترسيخ سياسات مائية حكيمة، وتم التفريط في عقد معاهدات استراتيجية تصون حصص العراق المائية وتضمن رفاهية شعبه وأمن أجياله القادمة. فلولا مياه النهرين لما أشرقت حضارة بلاد الرافدين، ولما كان العراق.
يسلط هذا المقال الضوء على صفحة بالغة الحساسية من تاريخ العراق السياسي، متمثلة في التقاعس الواضح لحكومات العهد الملكي عن إبرام اتفاقيات ملزمة تصون حقوق الشعب العراقي التاريخية في مياه دجلة والفرات وشط العرب وروافدهم.
وقد جاء هذا التفريط الصريح رغم التحذيرات المبكرة لخيرة الخبراء العراقيين، وفي طليعتهم المرحوم الدكتور أحمد سوسه، الذي وثق هذه الحقائق وسجل خطورتها بأسلوب علمي وتاريخي دقيق.
دول المنبع تتحكم: تداعيات غياب اتفاقيات المياه الملزمة
يقف العراق اليوم أمام معضلة مائية وجودية، تفرضها غياب الاتفاقيات القانونية الملزمة والمواثيق الواضحة لتقاسم المياه مع جيرانه تركيا وإيران وسورية، حيث تستأثر دول المنبع بإدارة التدفقات المائية، متحللة من أي التزام يضمن للعراق حصته العادلة. وفي سعيها لتأمين نهمها المائي، انتهجت هذه الدول سياسة التوسع في بناء السدود، ضاربة بحقوق المصب عرض الحائط، فمضت تركيا في تشييد مشاريعها الكبرى كمشروع ‘جنوب شرق الاناضول‘ وسد ‘اليسو‘، وتفردت إيران بإنشاء السدود على نهر ‘سيروان‘ وروافد ‘الكارون‘، عابثة بمسارات الانهار والروافد وتحويل اتجاهاتها. هذا الحصار المائي المطبق أفضى إلى انحسار حاد ومفزع في واردات العراق المائية، وفيما يلي قراءة اكثر تفصيلية لترسانة الإجراءات التي اتخذتها دول الجوار:
إيران:
أضيف إلى تهاون العهد الملكي وتفريطه بحقوق العراق المائية، موقف رئيس الجمهورية الأسبق جلال الطالباني حين اعتبر اتفاقية 1975 ملغاة، مبررا ذلك بأنها “وقعت بين صدام حسين والشاه محمد رضا بهلوي، وليس بين الدولتين!”، وهو تصريح استغلته طهران سريعا في ظل ضعف الدولة العراقية حينها، لتفرض سيطرتها وتملي سياستها بالكامل على المصالح المشتركة في الشريط الحدودي، سواء في ملفات المياه، أو النفط، أو الاراضي.
وفي ذروة التصعيد بين بغداد وإقليم كردستان إبان أزمة استفتاء الانفصال، عمدت السلطات الإيرانية إلى قطع رافد “الزاب الكبير” - أحد أكبر الشرايين المغذية لنهر دجلة- كعقوبة سياسية حظيت بموافقة ضمنية من الحكومة المركزية في بغداد التي التزمت الصمت ولم تعترض. ورغم أن إيران أعادت تدفق الرافد بعد انتهاء الأزمة، إلا أنها أبقته بمستويات تدفق أدنى بكثير من معدلاته الطبيعية.
وعمدت إيران إلى تغيير مسارات روافدها المائية الحيوية، أبرزها “الوند” و “الكارون”، مما ألحق أضرارا بالغة بالرقعة الزراعية في مناطق وسط وجنوب العراق. وتوجت الحكومة الإيرانية سياستها المائية في عام 2011 بإقرار مشاريع لبناء 152 سدا، خصص بعضها للتحكم في تدفق المياه واستنزافها قبل وصولها الأراضي العراقية. وقد ألقت هذه التجاوزات بظلالها القاتمة على مدينة البصرة التي تتخبط في أزمات متصاعدة من الملوحة والتلوث، ويقف تحويل مياه البزل الإيرانية المالحة نحو الأراضي العراقية على رأس مسبباتها.
تركيا:
على الرغم من وجود اتفاقيات ثنائية وثلاثية عقدت عام 1920 بين العراق وتركيا وسورية لتقاسم المياه وفق المعايير الدولية السائدة آنذاك، والتي تعززت لاحقا بتوقيع معاهدة الصلح في لوزان عام 1923 بين تركيا والحلفاء كمعاهدة متعددة الأطراف أفردت نصا خاصا بنهري دجلة والفرات، وتبعها توقيع البروتوكول رقم (1) لعام 1946 بين بغداد وأنقرة لتنظيم مياه النهرين، إلا أن الجانب التركي ظل متمسكا برفضه القاطع لاعتبار دجلة والفرات نهرين دوليين. وفي المقابل، لم تسع الحكومات العراقية في العهد الملكي إلى تصحيح هذا المسار القانوني وفقا للمبادئ الدولية الراسخة.
واليوم لا تزال قضية الإيرادات المائية القادمة من تركيا تشكل تحديا قائما، إذ توجت أنقرة خططها المائية بإنجاز سد “أليسو” الذي يحجم نهر دجلة ويحوله إلى مجرد قناة متدفقة تخضع بالكامل للسيادة التركية بدلا من كونه مجرى مائيا عابرا للحدود. يأتي هذا السد كجزء من مشروعها التنموي الضخم المعروف ب (GAP)، والذي يضم 22 سدا و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، ويهدف إلى استصلاح 1.9 مليون هكتار من الأراضي الزراعية على ضفاف نهري دجلة والفرات.
السياسة المائية للعهد الملكي: الأسباب والتقصير
قد يطرح هذا التساؤل موضوعيا: لماذا تقاعست الحكومات العراقية في العهد الملكي عن إبرام اتفاقيات مائية شاملة تصون حقوق العراق التاريخية؟
ولكن قبل الخوض في الإجابة، تبرز أمامنا حقيقة تسبقها، ألا وهي: هل كان صناع القرار آنذاك مدركين الخطورة المستقبلية المترتبة على غياب المعاهدات التي تنظم الحصص المائية مع دول المنبع والممر؟ تشير الأدلة الموثقة إلى أنهم كانوا على أتم الإدراك لهذه المخاطر، غير أنهم تعمدوا غض الطرف وتجاهل التحذيرات لأسباب ودوافع سنفصلها لاحقا. ولعل أبلغ شاهد على هذا الوعي المبكر، ما سطره الخبير والمهندس العراقي البارز الدكتور أحمد سوسه في سفره القيم ‘تطور الري في العراق‘، المنشور ضمن سلسلة (منشورات مجلة المعلم الجديد) عام 1946، حيث أورد في الصفحة (7) ما نصه:
“.. ومما لابد من ملاحظته هنا هو أن معظم الأراضي في حوضي دجلة والفرات واقعة ضمن حدود تركيا وسورية وإيران، وهذه وضعية لا تخلو من بعض العوائق، إذ قد تكون سببا في نشوء مشاكل بين العراق والاقطار المجاورة له إذا ما قررت هذه الاقطار القيام بمشروعات كبيرة لاستثمار المياه في اعالي الرافدين..”
ثم يستشهد أحمد سوسه في الصفحة الثامنة من مؤلفه بما أدلى به السير بيؤسي كوكس، ناقلا قوله على النحو الآتي: “...كما انه لو أقيمت سدود على الكارون في منطقة شوستر وفي الأهواز لاستطاعت ان تحرم منطقة النخيل الغنية الواقعة بين المحمرة والخليج من كل قطرة من الماء لأن ازدهار هذه المنطقة متوقف على مياه نهر كارون الصيفية.”
اما للإجابة على السؤال الأول، فيمكن القول إن الأولويات السياسية لحكومات العهد الملكي كانت منصبة لخدمة مصالح بريطانيا وتثبيت حكم الطبقة والفئات التي تسلطت على العراق والتي كانت مصالحها مرتبطة ببريطانيا ولاحقا حليفتها امريكا، وفي هذا السياق كانت تسعى وتركز كل جهدها لخلق تحالفات إقليمية تخدم الأهداف المذكورة. علاوة على ذلك لم تكن الحكومات في العهد الملكي تملك السيادة على قراراتها، فكانت السياسة الخارجية والتفاوضية للعراق تدار وتتأثر بشكل كبير بإرادات بريطانيا التي فضلت الاكتفاء بتوقيع بروتكول ملحق بمعاهدة صداقة وحسن جوار بدلا من معاهدة شاملة تضع الحصص المائية بشكل واضح ولا تشمل قيودا قانونية صارمة تقيد التصرف المطلق بمجاري الانهار من قبل دول المنبع. وسبب هذا عوائق كبيرة للحكومات المتعاقبة التي جاءت بعد العهد الملكي.
فلقد فرطت حكومات العهد الملكي بحقوق الشعب العراقي في مياه نهري دجلة والفرات وروافدهما كضحية وخدمة لمصالح واستراتيجيات بريطانيا. أهملت حكومات العهد الملكي السياسات المائية وحقوق العراق في المياه، لتجعلها تابعة للمصالح البريطانية في المقام الاول. علاوة على ذلك، لم يقتصر دور هذه الحكومات على ربط مصير البلاد بالمشاريع البريطانية والأمريكية، بل انشغلت وانساقت نحو سياسات التدخل في شؤون الدول الأخرى. وقد نبعت هذه التوجهات في جوهرها من الطموحات العميقة للعائلة الهاشمية الحاكمة، التي عاشت على وعود بريطانية منحتها زعامة المنطقة، مما دفعها إلى السعي الدؤوب لتحقيق هذا الحلم. وقد تبلورت ملامح هذه السياسة في المحاور الآتية:
- مشروع الهلال الخصيب (سورية الكبرى): جاهدت الأسرة الهاشمية في بغداد لإيجاد وحدة تجمع العراق مع سورية والأردن. وهو المسعى الذي أشعل هواجس دول المنطقة، ودفع بكل من مصر والمملكة العربية السعودية لاحقا إلى تشكيل “نظام الأمن الجماعي العربي”، ليكون بمثابة كابح وموازن للنفوذ والتدخلات الملكية العراقية.
- الأحلاف العسكرية الغربية: انخرط العراق في تحالفات سياسية وعسكرية ربطته بتركيا، وباكستان ، وإيران، وبريطانيا، بغطاء ودعم أمريكيين، بهدف إجهاض أي تحركات شعبية مناهضة للمصالح الغربية في المنطقة.
- الوقوف أمام تطلعات الشعب الكردي: تجلى ذلك بوضوح في التدخلات السلبية ضد الطموحات الكردية، والتي برزت من خلال التدخل في أزمة “جمهورية مهاباد” في إيران لقمع الانتفاضات الكردية.
- التدخل في القضية الفلسطينية: زجت السلطات الملكية الجيش العراقي في حرب لم تكن مهيأة لها، والتي انتهت بنتائج كارثية تمثلت في إلحاق الضفة الغربية بالأردن، وقيام دولة اسرائيل، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في إقامة دولته المستقلة.
خلاصة:
يعكس النهج السياسي لحكومات العهد الملكي جوهر تكوينها وارتهانها للمصالح الغربية (الأنجلو أمريكية) ضمن صراع النفوذ العالمي. وبدلا من تكريس الجهود لخدمة تطلعات الشعب العراقي وحماية مستقبله، تعاملت السلطات مع المواطنين كأدوات هامشية. وقد تجلت قمة هذا القصور في سياسة التفريط بالحقوق المائية التاريخية للعراق في حوض دجلة والفرات، وهو ما أسفر عن واقع مرير يمكن وصفه ب “دبلوماسية العطش”. لقد أسست تلك الحقبة لكارثة مستدامة، استمرت تداعياتها الأليمة لتلقي بظلالها القاتمة على الواقع العراقي وترافقه كأزمة متجذرة إلى يومنا هذا.