إن العلاقات الدولية التي تنشأ بين الدول، سواء الدول المتجاورة إقليميًا أو دوليًا أو غير المتجاورة، وبمختلف المجالات السياسية أو الاقتصادية أو التجارية، تنظمها منظمات دولية وإقليمية أو عربية، إذا كان الشأن عربيًا إسلاميًا، كمنظمة جامعة الدول العربية، ومنظمة الأقطار المصدرة للبترول، وغيرها، على أساس القانون الدولي والاتفاقيات المبرمة بين الدول والأعراف والمبادئ القانونية. أما الدولية، فتكون منظمة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي أو محكمة العدل الدولية، في حالة وجود نزاع سياسي أو حدودي بحري أو بري، عند احتكام أحد طرفي النزاع لدى المحكمة الدولية، ويكون من اختصاصها.
لذا، السؤال الذي يطفو إلى سطح المقال:
إن وجود أي خلاف أممي بين دولتين يؤدي إلى سعي تلك المنظمات لإيجاد صيغة حل أو آلية حل تتبع بين الدولتين، كالوساطة أو التحكيم، وبالتالي تكون مخرجاتها: تسوية بين الدولتين، أو اتفاقية ملزمة، أو قرار أممي.
وهنا أود الإشارة: إذا صدر عن الخلاف قرار أممي، فما مدى إلزامية التنفيذ؟ وما ينتج من أثر قانوني عن عدم التنفيذ؟ وما هي الآليات المستخدمة أو التدابير الواجب اتباعها من تلك المنظمات في حالة عدم التنفيذ؟
وبالتالي، هل إن عدم تنفيذ القرار يفقده قوته القانونية، أم أن الإشكال في الأدوات المستخدمة لتنفيذه، أم في الإرادة السياسية؟
من وجهة نظر قانونية، أجد أن القرارات الأممية تحتاج إلى إرادة سياسية قوية لتنفيذ القرارات الصادرة، ومن ضمنها أدوات التنفيذ؛ لأن القرار صدر، والإشكال في جعله منفذًا على أرض الواقع. وهنا، إن التنفيذ حسب الإرادة السياسية والمصالح المتداخلة، أو ربما وجود أطراف أممية أخرى تكون إلى جانب إحدى الدول التي ستتأثر من القرار، يؤثر على شكل القرار، مما يجعل الإرادة السياسية غائبة، إلا أن هناك عوائق أخرى تجعل تنفيذ القرارات مؤجلًا أو غير محسوم، ربما عائق قانوني أو سياسي أو خليط من العوامل التي ذُكرت.
ومن القرارات الأممية التي لا تزال قيد التنفيذ، ما يخص خطة التسوية المدعومة بالقرارات الأممية الصادرة من الأمم المتحدة بخصوص النزاع المسلح الذي كان دائرًا بين مملكة المغرب وجمهورية موريتانيا من جهة، والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو)، بعد نشوئها، من جهة أخرى، حول الإقليم الصحراوي المتنازع عليه عند انتهاء الوجود الاستعماري بانسحاب إسبانيا منه سنة 1975. انسحبت الجمهورية الموريتانية من النزاع المسلح ووقعت اتفاقية سلام مع جبهة البوليساريو، وأصبح طرفا النزاع بعد ذلك مملكة المغرب وجبهة البوليساريو، وما رافقه من استمرار للنزاع المسلح بين الطرفين. أدى ذلك إلى صدور خطة تسوية الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار وإجراء استفتاء لسكان الصحراء الغربية بين الاستقلال كدولة مستقلة أو أن يكون خاضعًا للإدارة المغربية كإقليم يندمج مع المغرب، وقد قُبلت من الطرفين.
والجدير بالذكر أن قرار وقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ بعد قبول خطة التسوية. قرار مجلس الأمن 658 سنة 1990 تم تأييد مقترح التسوية، ثم أنشأ مجلس الأمن، في 29 نيسان/أبريل 1991، بموجب القرار 690 الذي أنشأ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) لتنفيذ الخطة، ومن مهامها الأصلية تنظيم الاستفتاء ومراقبة وقف إطلاق النار.
وهنا تكمن الإشكالية القانونية حول قوة الإرادة السياسية وحجية القرارات الأممية وقوة إلزاميتها في تنفيذ القرار الصادر عنها؛ حيث إذا دققنا النظر في القرار، نجد أن كلا الطرفين اللذين قبلا خطة التسوية، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي في 6 سبتمبر/أيلول 1991، وهو جزء مهم على إثره تم إنشاء البعثة لأجل تسهيل ومراقبة استفتاء تقرير المصير، جزء أساسي من خطة التسوية، إلا أنه لم ينفذ لغاية الآن، على الرغم من قيام الأمم المتحدة بتحديد البعثات التي تقوم بمهامها بزيارة الصحراء الغربية. وبالتالي، نحن أمام خطة تسوية قبل بها طرفان متنازعان من أجل أن ينفذ ما تم إقراره، وهو استفتاء تقرير المصير، وهذا يقودنا إلى السؤال المنطقي:
إن عدم تنفيذ خطة التسوية، قرار الاستفتاء الذي أشير إليه، أفقده قوته القانونية أم لا؟ وهل ما زال قائمًا ليومنا هذا؟ وكذلك، ما مدى جدية تلك القرارات في أن تنفذ حقيقةً على أرض الواقع، كونها ترتبط بمصير شعب أعزل عانى الويلات من التهجير والتشرد واللجوء في مخيمات في ولاية تندوف الجزائرية، تحت وطأة ظروف اقتصادية وصحية وتعليمية صعبة كونه لاجئًا؟
ويجب أن نشير: ماذا يستطيع مجلس الأمن الدولي أن يفعل عند عدم تنفيذ قراراته؟ وحسب ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، يمنح مجلس الأمن الدولي صلاحية اتخاذ تدابير، وحسب المادتين 41 و42 من الفصل السابع، إلا أن وجود تلك التدابير ليس بالضرورة أن مجلس الأمن سوف يستخدمها في كل حالة عدم تنفيذ لقراراته.
إذن، متى يستخدم تلك التدابير من عدمه في حالة الاستفتاء المنصوص عليه في خطة التسوية بما يخص الصحراء الغربية؟ وإذا بادرنا إلى تفكيك القرار، نجد هناك التزامًا قانونيًا من الدول الأعضاء على قبول تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وكذلك أن المجلس يملك الأدوات، فلماذا لا يستخدمها تلقائيًا؟ حيث تبين أن امتلاك الصلاحيات شيء، واتخاذ تدبير لتنفيذ القرار شيء آخر. وبالتالي، يصب ذلك في عدم وجود القاعدة القانونية، أم في غياب آليات التنفيذ، أم في الإرادة السياسية التي تُفعّل ذلك القرار وتجعلها ممكنة التنفيذ؟