لم يعد الجفاف في ذي قار مجرد أزمة بيئية عابرة، بل تحول إلى واقع يومي يدفع بسببه السكان ثمناً باهظاً من استقرارهم وأرزاقهم؛ فمع انحسار المياه وجفاف مساحات واسعة من الأهوار، تتزايد أعداد الأسر النازحة وتتعمق آثار الأزمة على الزراعة والثروة الحيوانية، فيما تواجه المدن المستقبِلة ضغوطاً خدمية واجتماعية متصاعدة.
سكان الاهوار يواجهون نمط حياة جديد
يقول علي كاظم (28 عاماً)، وهو شاب نزح مع أسرته من الأهوار إلى أطراف المدينة بحثاً عن مصدر رزق، إن قرار الرحيل لم يكن سهلاً، لكنه جاء بعد أن فقدت العائلة كل مقومات البقاء.
ويضيف في حديث لمراسل "طريق الشعب"، "إحنا ما طلعنا بإرادتنا، الأرض كانت حياتنا. كنا نزرع ونعتاش من تعبنا، نزرع الرز والخضراوات ونربي الجاموس، وكل شي مرتبط بالماء. لكن لما جفت الأرض وتراجع منسوب المياه، خسرنا المحصول وخسرنا مصدر رزقنا".
ويؤكد أن أصعب ما يواجهه اليوم هو البحث عن عمل مستقر، قائلاً: "بالمدينة ما عدنا خبرة بمهن ثانية، كل شغلنا كان بالزراعة. أدور يومية حتى أشتغل بأي شي، عمالة بناء أو تحميل وتنزيل، بس المنافسة قوية والفرص قليلة. مرات أرجع بدون شغل".
ويتابع أن النزوح لم يغير مكان السكن فقط، بل غير نمط الحياة بالكامل: "كنا عايشين ببساطة، عدنا أرض نزرعها ونعيش منها بكرامة. هسه إيجار بيت ومصاريف مي وكهرباء ونقل، وكلها أعباء إضافية".
ويشير إلى أن التعلق بالأرض لا يزال حاضراً رغم الجفاف، قائلاً: "الأهوار مو بس مكان، هي ذكريات وأهل وجيران وعادات. تركنا جزء من روحنا هناك، نتمنى نرجع يوم من الأيام إذا رجع المي ورجعت الحياة".
فقدان 90 في المائة من الثروة السمكية
فيما يحذر رئيس لجنة التصحر والجفاف في مجلس محافظة ذي قار، حيدر السعدي، من تفاقم تداعيات الجفاف والتغيرات المناخية على المحافظة، مؤكداً أن ذي قار تشهد موجة نزوح واسعة نتيجة تراجع الإطلاقات المائية وتدهور الواقع البيئي.
ويقول السعدي لـ"طريق الشعب"، إن "أعداد الأسر النازحة تجاوزت 450. 10 أسرة، في ظل انخفاض مناسيب المياه وتقلص المساحات الرطبة"، مضيفا أن الأزمة لم تكن تقتصر على النزوح البشري، بل طالت الثروة الحيوانية والسمكية، إذ نفقت أعداد كبيرة من الجاموس، فيما فقدت المحافظة نحو 90 في المائة من ثروتها السمكية رغم حملات دعم الإصبعيات التي أطلقت سابقاً لإنعاش القطاع".
ويشير إلى أن ما يقارب 88 في المائة من المناطق الرطبة تحولت إلى أراضٍ جافة أو شبه صحراوية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تقليص الخطط الزراعية، وأضعف قدرة الفلاحين على الاستمرار في نشاطهم، لاسيما مع صعوبة تبني تقنيات "الزراعة الذكية" التي تتطلب إمكانات مالية وخبرات غير متاحة لكثير منهم.
ويؤكد أن تراجع الدخل وتدهور سبل العيش أسهما في تسريع موجات الهجرة نحو مناطق أخرى داخل المحافظة وخارجها، ما أدى إلى ضغط إضافي على المناطق المستقبِلة، التي تعاني أصلاً من محدودية الخدمات، لافتا إلى وجود اكتظاظ في المدارس وتزايد الحاجة إلى الخدمات الصحية، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة وحدوث تغيرات ديموغرافية تمس العادات والتقاليد والبنية الاجتماعية.
وينبّه الى أن التنافس على فرص العمل في ظل الوضع الاقتصادي المتردي قد يفرز مشكلات اجتماعية، منها حالات تنمر أو توترات مجتمعية.
ويصف السعدي الوضع في بعض المناطق بأنه "مزرٍ للغاية"، داعياً إلى تضافر الجهود بين الحكومتين المركزية والمحلية، وإطلاق خطط طوارئ ومنح عاجلة لمعالجة الأزمة، مشيرا الى أن الحكومة المحلية تعمل ضمن صلاحياتها المتاحة، بالتنسيق مع منظمات دولية تمتلك خبرات ميدانية، لتحقيق تدخلات سريعة تسهم في الحد من آثار الجفاف والتصحر واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للسكان.
تحوّل بيئي يهدد هوية المنطقة
بدوره، حذر الناشط البيئي سجاد ستار من أن ما تشهده مناطق الأهوار وذي قار لم يعد أزمة موسمية عابرة، بل تحول بيئي خطر يهدد هوية المنطقة ومستقبل سكانها.
وقال ستار لـ"طريق الشعب"، إن "حجم الكارثة البيئية اليوم يعكس تراكمات لسنوات من تراجع الإطلاقات المائية وارتفاع درجات الحرارة وضعف الإدارة المستدامة للموارد".
وأضاف أن تسارع النزوح من المناطق المتضررة يعود إلى تداخل عدة عوامل، في مقدمتها قلة المياه التي أدت إلى نفوق المواشي وتراجع الزراعة، إلى جانب التغير المناخي الذي فاقم الأزمة عبر موجات حر شديدة وزيادة معدلات التبخر، فضلاً عن غياب خطط تكيف حقيقية تدعم السكان في البقاء بأراضيهم.
وأكد أن "النزوح أصبح خياراً اضطرارياً بعد فقدان مصادر الدخل".
وبيّن أن استمرار تفريغ المناطق الزراعية والرطبة من سكانها ينذر بمخاطر بيئية واجتماعية بعيدة المدى، إذ يؤدي إلى تسارع التصحر وفقدان أنماط الإدارة التقليدية للموارد الطبيعية، فضلا عن تفكك النسيج المجتمعي واندثار مهن وثقافات مرتبطة بالأهوار، في وقت تتعرض فيه المدن المستقبِلة لضغوط خدمية وبطالة وتوترات اجتماعية متزايدة.
وشدّد ستار على أن ما يحدث يندرج ضمن مفهوم "العدالة المناخية"، لافتاً إلى أن المجتمعات المحلية ليست مسؤولة عن التغير المناخي العالمي، لكنها تتحمل كلفته الأكبر. ودعا إلى تحرك حكومي عاجل يتضمن خطط تكيف حقيقية وتعويضات للمتضررين، إلى جانب دعم دولي يحفظ هذا النظام البيئي الفريد ويمنع تفاقم الكارثة.
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وبينما كانت قنوات التفاوض مفتوحة بين واشنطن وطهران، شنّت الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، عدوانا عسكريا واسعا استهدف العمق الإيراني، في تصعيد غير محسوب المخاطر، تجاوزت تداعياته حدود الجغرافيا الإيرانية إلى مجمل دول الشرق الأوسط.
عدوان في ظل المفاوضات
العدوان المشترك من قبل أمريكا ودولة الاحتلال، جاء في وقت كانت فيه طهران وواشنطن في خضم مسار دبلوماسي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أن الحملة “الضخمة والمستمرة” تستهدف تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، والقضاء على برنامجها النووي وصناعاتها الصاروخية والبحرية، بل ودعا صراحة إلى تغيير نظام الحكم بعد انتهاء العمليات.
في المقابل، اعتبرت الخارجية الإيرانية أن الهجوم يشكّل “انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة وعدوانًا مسلحًا سافرًا”، مؤكدة أن الرد حق قانوني مشروع وفق قواعد القانون الدولي، مشددة على أن طهران دخلت المفاوضات لإقامة الحجة أمام المجتمع الدولي، لكنها باتت اليوم أمام أولوية “الدفاع عن الوطن”.
الهجمات طالت العاصمة طهران ومدنًا عدة، واستهدفت مقرات حكومية وعسكرية، بينها المجمع الرئاسي ومواقع عسكرية حساسة مثل بارتشين (موقع عسكري مهم جدا يقع جنوب العاصمة)، إضافة إلى أجزاء من وزارة الخارجية.
كما أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق عملية “الوعد الصادق 4” ردًا على الهجوم، مستهدفًا قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بينها مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد في قطر والإمارات والكويت، إضافة إلى إطلاق موجات من الصواريخ باتجاه دولة العدوان.
العراق يرفض منطق الحرب والعدوان
ترأس رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، أمس السبت، اجتماعاً للقيادات العسكرية والأمنية في مقر قيادة العمليات المشتركة، لتأكيد موقف العراق الرافض لمنطق الحرب والعدوان بكل أشكاله.
وحذر الاجتماع، بحسب بيان حكومي، من عواقب العدوان السافر الذي طال عدداً من المواقع العراقية، وأدّى الى ارتقاء عدد من الشهداء، وحدوث إصابات مختلفة. واستنكر الاعتداء غير المسوغ الذي تتعرض له ايران، وكل ما يطال شعبها وسيادتها ومؤسساتها الدستورية.
وجدد الاجتماع التحذير من المساس بسيادة العراق وأجوائه وأراضيه، أو توظيفها كممر أو منطلق للاعتداء على إيران، مثلما يرفض أن تكون أراضي بلادنا أو مياهها الإقليمية سبباً لزج العراق في الصراع، وستلجأ الحكومة الى كل الوسائل التي يتيحها القانون والأعراف الدولية لحماية أمنه واستقراره وسيادته.
وأكد الاجتماع موقف العراق بضرورة الإيقاف الفوري للأعمال العسكرية، واللجوء الى الحوار، والوسائل السلمية التي يتيحها القانون الدولي، لحل المشكلات الدولية.
اتساع رقعة النار إقليميًا
ردّ إيران شمل استهداف مواقع في دول خليجية، ما دفع حكومات الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت إلى إعلان التصدي للصواريخ وإدانة الهجمات، مع تأكيد حقها في الرد وفق القانون الدولي. كما أعربت السعودية عن تضامنها مع هذه الدول، محذّرة من العواقب الوخيمة لاستمرار التصعيد.
في العراق، رُصدت طائرات وصواريخ تعبر الأجواء بالتزامن مع الضربات، ما يعكس هشاشة المجال الجوي العراقي وتحوله إلى ساحة عبور في صراع إقليمي مفتوح، فيما أعلنت الأردن إسقاط صواريخ استهدفت أراضيه.
المعطيات حتى الان تشير إلى أن المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، لن تبقى محصورة بين الأطراف المباشرة، بل ستطال دول المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
التصعيد الحالي يهدد بنسف ما تبقى من منظومة الأمن الإقليمي، ويضع الملاحة في الخليج، وأسواق الطاقة، واستقرار الدول الهشة، أمام مخاطر جدية. كما أن استهداف منشآت مدنية وبنى تحتية دفاعية يفتح الباب أمام ردود فعل متدحرجة يصعب احتواؤها.
العراق في قلب العاصفة
لم يكن العراق بعيداً عن نيران المواجهة؛ فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة، أمس السبت، تعرض منطقة جرف الصخر شمالي محافظة بابل لعدة ضربات جوية عند الساعة 11:50 صباحاً، أسفرت عن استشهاد شخصين وإصابة ثلاثة، في حين أشارت مصادر إلى أن القصف استهدف مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
وفي إقليم كردستان، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب أن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة اعترضت وأسقطت صواريخ وطائرات مسيّرة في أجواء أربيل، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية.
وعلى مستوى الفصائل المسلحة، أعلنت كتائب “حزب الله” عزمها البدء بمهاجمة القواعد الأميركية رداً على ما وصفته بالاعتداء، فيما أعلنت حركة النجباء انخراطها في المواجهة، كما أعلنت كتائب “سيد الشهداء” دخولها الحرب وجاهزيتها للرد.
سياسياً، دعا عضو مجلس النواب كريم عليوي المحمداوي، إلى عقد جلسة طارئة وفورية لمجلس النواب لبحث تداعيات الهجوم الأميركي–الإيراني والتصعيد العسكري المتسارع في المنطقة، وانعكاساته المحتملة على العراق.
وقال المحمداوي في بيان، إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً وطنياً موحداً يستند إلى حماية السيادة العراقية وصون أمن البلاد واستقرارها، مشدداً على ضرورة انعقاد المجلس بشكل عاجل لمناقشة التطورات الأخيرة وتحديد الموقف الرسمي إزاء الحرب الدائرة في المنطقة.
وأضاف أن جدول أعمال الجلسة المقترحة ينبغي أن يتضمن بحث مسألة استخدام الأجواء العراقية في العمليات العسكرية، فضلاً عن مناقشة ما يتعلق بالاستهداف الأميركي لقوات الحشد الشعبي، وبما ينسجم مع مسؤولية الدولة في حماية أراضيها وأجوائها.
وأكد المحمداوي أن مجلس النواب، بوصفه ممثلاً للشعب، معنيّ بتحمل مسؤولياته الدستورية في مثل هذه الظروف الحساسة، بما يضمن تحييد العراق عن أتون الصراعات الإقليمية والحفاظ على قراره الوطني المستقل، بعيداً عن أية تجاذبات أو ضغوط خارجية، وترسيخ مبدأ احترام السيادة الوطنية كخط أحمر لا يمكن المساس به.
سيناريوهات مفتوحة
من جهته، أكد المحلل السياسي علي البيدر أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو “سيناريوهات مفتوحة” في ظل تصاعد التوترات والعدوان على إيران، مشيراً إلى أن ما يجري يمثل “مواجهة وجودية” بالنسبة إلى كل الأطراف، والتي يسعى كل منها إلى فرض نفوذها وترتيب موازين القوى في المنطقة.
وأوضح البيدر في حديثه مع “طريق الشعب”، أن ملامح الشرق الأوسط قد يُعاد رسمها “من خلال فوهات الصواريخ”، محذراً من أن ما يُرسم بالحروب لا يمكن أن ينتج سلاماً مستقراً، بل يفضي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
وفي ما يتعلق بالموقف العراقي، شدد على ضرورة أن تعتمد بغداد سياسة أكثر براغماتية في التعامل مع التطورات، مؤكداً أن العراق لا يستطيع الانحياز إلى أي طرف في هذه المرحلة الحساسة، بل يتعين عليه تحصين سيادته ومنع استهداف أراضيه، داعياً الدولة إلى التحرك بعمق أكبر لتفادي الانزلاق إلى دائرة الصراع.
وفي قراءته لمسار التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، رأى البيدر أن مسار الأحداث كان يُتوقع أن يتجه نحو التصعيد خلال أسابيع، إلا أن التطورات المتسارعة تشير إلى أن القرارات كانت قد حُسمت مبكراً، وأن التحركات العسكرية، ولا سيما البحرية الأميركية في الشرق الأوسط، تتجاوز إطار الاستعراض إلى مهام قد تكون معقدة وشاقة.
وفي ما يتعلق بمآلات الصراع، أوضح أن النتائج ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة إيران على الصمود، مشيراً إلى أنها دولة ذات مساحة واسعة وعقيدة واستراتيجية واضحة، ولديها شبكة حلفاء وداعمين، ولا سيما من القوى الشرقية.
وتساءل عن مدى استعداد تلك الدول لمواصلة دعم طهران عسكرياً وسياسياً، مبيناً أن استمرار الدعم أو توقفه سيحدد طبيعة المرحلة المقبلة، كما سيتأثر بقدرة الولايات المتحدة على تعطيل خطوط الإمداد والدعم لإيران.
المفاوضات.. تكتيك أمريكي
من جهته، قال الخبير في الشأن الأمني عماد علو إن مسار المفاوضات النووية لم يكن، وفق قراءته، سوى عملية مخادعة استراتيجية، استُخدمت لكسب الوقت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف استكمال الاستعدادات العسكرية والحشد العملياتي تمهيداً لتنفيذ هجوم واسع النطاق على إيران.
وأضاف علو في حديثه لـ“طريق الشعب”، أن طبيعة الضربات وحجمها يعكسان وجود تخطيط مسبق وانفتاح عملياتي مدروس، ما يرجح – بحسب المعطيات الحالية – استمرار الصراع لعدة أيام على الأقل، مع احتمال توسعه تبعاً لطبيعة الردود المتبادلة وسقفها.
ورأى علو أن تداعيات المواجهة ستمتد إلى أمن الطاقة وسلاسل التوريد وحركة التجارة في الخليج. كما حذر من انعكاسات مباشرة على العراق، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، في ظل هشاشة التوازنات القائمة.
العراق في قلب المواجهة الإقليمية.. وتحديات أمنية واقتصادية تتزايد
وأشار إلى أن أي اضطراب في أمن الملاحة أو البنية التحتية للطاقة قد يضاعف الضغوط على اقتصادات المنطقة، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار.
وفي ما يخص الموقف العراقي، شدد علو على ضرورة أن تنحصر مهمة القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار الداخلي، وعدم الانجرار إلى أي مشاركة في الصراع الدائر، محذراً من أن الدخول في المواجهة سيترتب عليه نتائج وخيمة وأضرار كبيرة لبلد يعاني أساساً من وضع اقتصادي مضطرب وعدم استقرار سياسي نتيجة التنافس الحاد على المناصب والنفوذ بين القوى السياسية.
وأكد أن الحكومة مطالبة باتخاذ موقف واضح يجنب البلاد الانخراط في الحرب، خاصة في ظل غياب الإمكانات العسكرية والسياسية التي تؤهل العراق للوقوف إلى جانب أي طرف في ظل تبادل نيران مفتوح.
وختم علو بالقول إن المشهد لا يزال ضبابياً، ومن المبكر تحديد سقوف زمنية لنهاية العمليات العسكرية، إذ إن مسار الميدان ونمط العمليات سيحددان اتجاه التصعيد أو الاحتواء، لكنه أشار إلى أن مؤشرات الخطاب الصادر عن الأطراف المتصارعة توحي بأن الحرب في طور التصاعد، ما يجعل كل الاحتمالات قائمة، داعياً إلى دور دبلوماسي فاعل لاحتواء الأزمة.
العراق.. الأكثر تأثراً بتداعيات التصعيد
بدوره، رأى الخبير الأمني صفاء الأعسم أن ما جرى صباح السبت يمثل الدفعة الأولى من التصعيد العسكري المباشر بين إيران والكيان الصهيوني، بعد أن استهدف عدداً من المواقع داخل إيران، بينها طهران وكرمنشاه وكرج، وفق ما أعلنته مصادر إسرائيلية وأميركية، التي وصفت العملية بأنها ضربة مركزة طالت مواقع محددة وشخصيات وُصفت بالمهمة.
وقال الأعسم في حديث مع “طريق الشعب”، أن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إنهاء المعركة سريعاً لا تنسجم مع الوقائع الميدانية، خصوصاً بعد الرد الإيراني الذي تمثل بإطلاق صواريخ باتجاه حيفا وتل أبيب والمواقع الأميركية المنتشرة في دول المنطقة، ورغم اعتراض عدد من الصواريخ، إلا أن بعضها نجح في اختراق الدفاعات والوصول إلى أهدافه، ما يعكس مستوى تصعيد غير مسبوق.
وأضاف أن التصريحات الإيرانية الأخيرة التي أكدت أن “الطرف الآخر بدأ الحرب لكن طهران من ستُنهيها” تعكس توجهاً نحو إدارة صراع قد يمتد لأسابيع، في ظل غياب مؤشرات واضحة على احتواء سريع للأزمة.
وبحسب الأعسم، فإن العراق من بين أكثر الدول تأثراً بتداعيات التصعيد، سواء على مستوى أمن المجال الجوي أو على الصعيد الاقتصادي، لا سيما في ما يتعلق بسعر صرف الدولار الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً مع بدء التصعيد، كما أن أي توسع في دائرة العمليات قد يضع العراق أمام تحديات إضافية.
وأكد أن الموقف الرسمي العراقي حتى الآن يتسم بالمنطق والحياد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العراق، بحكم علاقاته الاستراتيجية مع طهران ووجود قوى مسلحة ذات ارتباطات خارجية، يبقى عرضة لضغوط معقدة.
إعادة رسم قواعد الاشتباك
وختم بالتنبيه إلى أن التصعيد الحالي يتجاوز كونه تبادلاً تكتيكياً للضربات، ويدخل في إطار إعادة رسم قواعد الاشتباك بين الطرفين، وإذا استمرت الضربات المتبادلة بهذا المستوى، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة استنزاف قد تطول، ما يضع العراق أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الحياد الرسمي، ومنع تحويل أراضيه أو مجاله الجوي إلى ساحة صراع بالوكالة، مع إدارة تداعيات اقتصادية وأمنية قد تتفاقم مع اتساع رقعة المواجهة.
في ضوء كل ما تقدم، فإن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حجم النيران المتبادلة، بل في احتمال انزلاق أطراف إضافية إلى المواجهة. وعليه، تبرز ضرورة أن تُتخذ قرارات الحرب والسلم حصراً عبر المؤسسات الحكومية والدستورية، وعدم إتاحة الفرصة لأي جهة بالمبادرة خارج الإطار الرسمي، حفاظاً على وحدة الموقف الوطني وصون السيادة، ومنع اتساع رقعة الصراع بما يتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.
لم يعد القلق من المستقبل المهني هاجسا فرديا لدى طلبة الصيدلة في العراق، بل تحول إلى ظاهرة عامة تعكس فجوة بين مخرجات التعليم وواقع سوق العمل. فمع الارتفاع المتسارع في أعداد الكليات والقبولات الدراسية، يجد آلاف الخريجين أنفسهم أمام خيارات محدودة، في ظل تشبع واضح في القطاعين العام والخاص، وتراجع القدرة الاستيعابية للصيدليات والمؤسسات الصحية.
أعداد تفوق الحاجة
يقول حمزة ليث، طالب صيدلة في إحدى الجامعات الأهلية: إن واقع سوق العمل بات يشكل هاجسا حقيقيا لطلبة القسم، في ظل إعلان نقابة الصيادلة عن وصول أعداد الصيادلة إلى حد يفوق الحاجة الفعلية، الأمر الذي قلّص فرص التعيين بشكل واضح.
ويضيف حمزة لـ"طريق الشعب"، أن غالبية الطلبة باتوا يرسمون مسارات بديلة لمستقبلهم المهني، إذ يتجه كثيرون إلى العمل كمندوبين في المجال الطبي، أو التفكير بمشاريع تجارية مرتبطة بتجارة الأدوية. في المقابل، اختار عدد آخر العمل ضمن المنظمات أو الشركات الخاصة خارج الإطار التقليدي للمهنة، بينما يبقى الاهتمام بالدراسات العليا، مثل الماجستير والدكتوراه، محصور بشريحة أقل من الطلبة.
أما على الصعيد الأكاديمي، فيقيم حمزة مستوى التدريس بأنه "جيد ، بنسبة درجة تقييم 7 من 10"، مشيرا إلى أن أغلب التدريسيين يمتلكون خبرة علمية ويعتمدون على البيانات الحديثة ويستخدمون الوسائل التعليمية كـ"السمارت بورد". غير أن هذا الجانب الإيجابي، بحسب قوله، يقابله نقص واضح في مستلزمات الجانب العملي، حيث تفتقر المختبرات إلى المعدات الضرورية للتطبيق.
وفي ما يخص الامتحانات، يوضح حمزة أن الأسئلة غالبا ما تكون سهلة، وأن حالات الرسوب نادرة، ولا تشمل عادة إلا الطلبة الذين لا يلتزمون بالدوام إطلاقا، ما يثير تساؤلات حول مستوى التقييم الحقيقي لمخرجات التعليم.
وبين تشبع سوق العمل وتفاوت جودة التطبيق العملي، يقف طلبة الصيدلة اليوم أمام تحديات مركبة، تدفعهم إلى إعادة التفكير بمستقبلهم المهني، والبحث عن بدائل تتجاوز المسار التقليدي للمهنة، في انتظار حلول توازن بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
النقابة تصرخ من سنوات: كفى
من جانبه، يؤكد الدكتور الصيدلاني أسامة هادي حميد، المتحدث الرسمي باسم نقابة صيادلة العراق، أن النقابة حذرت منذ مدة ليست بالقصيرة من أزمة حقيقية تهدد مهنة الصيدلة، والمتمثلة بالتزايد الكبير في أعداد كليات وأقسام الصيدلة، وما يقابله من ارتفاع مستمر في أعداد المقبولين والخريجين، دون وجود فرص عمل كافية في القطاعين العام والخاص.
ويشير حميد لـ"طريق الشعب"، إلى أن هذه المشكلة طرحت مرارا على لسان نقيب الصيادلة الدكتور الصيدلاني حيدر فؤاد الصائغ في أكثر من مناسبة، موضحا أن عدد كليات الصيدلة في العراق كان يعد سابقا على أصابع اليد الواحدة، بينما يقارب اليوم سبعين كلية وقسما، ما يعني آلاف الخريجين سنويا يجد كثير منهم أنفسهم بلا تعيين حكومي وبلا فرص حقيقية في سوق العمل الخاص.
كل ٢٠٠٠ شخص بحاجة لصيدلي
ووفقا لبيانات النقابة، فإن عدد الصيادلة المسجلين حاليا يقترب من 57 ألف صيدلي، وهو رقم يفوق الحاجة الفعلية للمؤسسات الصحية العامة والخاصة. ويستند حميد في ذلك إلى دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، والتي تشير إلى أن كل 2000 شخص يحتاجون إلى صيدلي واحد فقط، ما يعني أن العراق يمتلك ضعف العدد المطلوب فعليا.
ولمواجهة هذه الأزمة، دعا حميد إلى تشكيل لجنة عليا تضم وزارات الصحة، والتعليم العالي، والتخطيط، والمالية، إلى جانب النقابة، لوضع خطة عاجلة واستراتيجية شاملة تهدف إلى تنظيم أعداد كليات وأقسام الصيدلة، وتحديد المقاعد الدراسية بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في القطاعين العام والخاص.
كما شدد حميد على ضرورة دعم القطاع الخاص، من خلال تشجيع افتتاح المستشفيات، ومعامل الأدوية، والمراكز البحثية، والمختبرات، وغيرها من المؤسسات الصحية والصناعية التي يمكن أن تستوعب الطاقات الكبيرة من الصيادلة العاطلين عن العمل، وتسهم في تقليل الزخم الحاصل في أعداد الباحثين عن فرص وظيفية.
وفي ختام حديثه، أعرب عن أمله في أن تتم الاستفادة من طاقات الصيادلة العراقيين بالشكل الأمثل، بما يخدم البلد ويسهم في تطوير القطاع الصحي ودعم مسيرة الازدهار والتنمية.
حالة من التشبع
تقول مروة حسين، صاحبة صيدلية في احدى مناطق الكرخ، إن سوق الصيدلة في العراق يشهد حالة واضحة من التشبع، نتيجة الزيادة الكبيرة في أعداد خريجي كليات الصيدلة خلال السنوات الأخيرة، مقابل محدودية فرص العمل المتاحة، سواء في الصيدليات الأهلية أو المؤسسات الصحية الأخرى.
وتوضح حسين لـ"طريق الشعب"، أن الصيدليات تشهد بشكل شبه يومي مراجعة صيادلة حديثي تخرج بحث عن فرصة عمل، إلا أن الواقع الاقتصادي للصيدليات لا يسمح في الغالب بتشغيل أكثر من صيدلي واحد، بسبب ارتفاع الإيجارات، وتكاليف التشغيل، وتراجع هامش الربح.
وتشير إلى أن الرواتب المعروضة حاليا لا ترضي أغلب الخريجين، لكنها في الوقت نفسه تعكس الوضع المالي الصعب الذي تمر به الصيدليات، مؤكدة أن المشكلة لا تتعلق بعدم الرغبة بالتوظيف، بل بعدم القدرة على الاستمرار بتكاليف إضافية.
وفيما يخص تفضيل أصحاب الصيدليات، تبين حسين أنها تميل إلى تشغيل الصيدلي الذي يمتلك خبرة عملية ومهارات تواصل مع الزبائن، لافتة إلى أن العديد من الخريجين الجدد يفتقرون إلى الخبرة التطبيقية، وهو ما تعزوه إلى ضعف الجانب العملي أثناء الدراسة.
وترى أن التوسع الكبير في افتتاح كليات وأقسام الصيدلة أثر سلبا على سوق العمل، وأدى إلى تخريج أعداد تفوق حاجة السوق، داعية الجهات المعنية إلى تنظيم القبولات الدراسية وربطها بالاحتياج الفعلي.
وعن الحلول، تؤكد صاحبة الصيدلية أن دعم القطاع الخاص، وتشجيع إنشاء معامل أدوية ومراكز بحثية، يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد من الصيادلة العاطلين عن العمل، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي دون معالجات جذرية سيجعل مستقبل مهنة الصيدلة أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.
وتختم حديثها بالقول: "مهنة الصيدلة مهنة إنسانية ومهمة، لكنها اليوم تحتاج إلى قرارات حقيقية تحمي الخريجين وتوازن بين التعليم وسوق العمل".
عقدت قيادات الحزب الشيوعي العراقي، والتيار الديمقراطي العراقي، وحزب التيار الاجتماعي، يوم الثلاثاء 24 شباط 2026 اجتماعا مشتركا لبحث المستجدات السياسية في البلاد وتداعياتها على الواقعين الاقتصادي والاجتماعي.
وتناول الاجتماع تطورات الأوضاع في المنطقة عموما، وفي العراق على وجه الخصوص، مع التركيز على سبل مواجهة الأزمات المتفاقمة التي يمر بها البلد، وفي مقدمتها الانسداد السياسي، وارتفاع الأسعار، وتزايد معدلات البطالة، وسوء الإدارة، واستمرار نهج المحاصصة والفساد، وما يترتب على ذلك من ضغوط معيشية متصاعدة تمس حياة المواطنين اليومية. كما ناقش المجتمعون آليات تعزيز الفعاليات الشعبية والاحتجاجية والعمل المشترك باتجاه إصلاح المسار السياسي والإداري، والحد من تداعيات الأزمات الراهنة.
واستعرض المحامي الأستاذ زهير ضياء الدين خلال الاجتماع مسار الدعوى المقامة أمام المحكمة الاتحادية العليا من قبل الحزب الشيوعي العراقي وحزب التيار الاجتماعي، بشأن خرق التوقيتات الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، وما يترتب على ذلك من تكليف رئيس مجلس الوزراء، موضحا أبعادها القانونية والإجرائية وانعكاساتها المحتملة على المشهد السياسي.
واكد المجتمعون اهمية ان تعمل القوى المدنية الديمقراطية والفعاليات الشعبية والاجتماعية على تعزيز حضورها السياسي والاجتماعي، وتقديم تصوراتها حول الازمات والتحديات التي تواجه شعبنا.
على الرغم من إعادة عمل مجالس المحافظات بوصفها إحدى ركائز نظام الحكم في البلاد، إلا أن التجربة لا تزال تواجه تحديات معقدة، في مقدمتها صراعات القوى السياسية على المناصب والامتيازات وتداخل الحسابات الحزبية في عمل هذه المجالس.
واعادت مشاهد الإقالات والاستقالات وتبادل الاتهامات داخل عدد من المجالس، طرح تساؤلات جوهرية بشأن قدرتها على أداء دورها، بعيداً عن المحاصصة والصراعات السياسية الضيقة.
وفي هذا السياق، تتقاطع آراء عدد من الباحثين والمحللين السياسيين عند تشخيص الخلل، إلا أنهم يجمعون على أن استمرار الصراع على المواقع والمكاسب يهدد بإفراغ التجربة من مضمونها، ويعمّق فجوة الثقة بين الشارع والمؤسسات المحلية.
صراع على المناصب لا على تقديم الخدمات
في هذا الصدد، قال الباحث في الشأن السياسي جعفر الكعبي إن مجالس المحافظات تقوم أساساً على ترسيخ مبدأ الحكم اللامركزي في العراق، بما يمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع في التخطيط والتنفيذ، ويقرب القرار من المواطنين، ويجعل الاستجابة لاحتياجاتهم أكثر سرعة وفاعلية. وأضاف الكعبي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن إعادة العمل بمجالس المحافظات لم تنعكس – حتى الآن – بصورة ملموسة على واقع الخدمات أو مستوى الأداء الإداري في المحافظات.
وبيّن أن المواطن "كان يعوّل على أن تفتح الانتخابات الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإداري والتنافس الخدمي، إلا أن ما جرى على أرض الواقع تمثل باستمرار الخلافات بين القوى السياسية حول توزيع المناصب وفق مبدأ المحاصصة، وهو ما أفضى إلى أزمات متكررة داخل عدد من مجالس المحافظات، تجلت في إقالات واستقالات وصراعات على الصلاحيات، فضلاً عن توترات بين بعض المجالس والمحافظين". وتابع أن هذه التجاذبات "لم تكن في كثير من الأحيان مرتبطة ببرامج خدمية أو رؤى تنموية واضحة، انما انصبت على حسابات سياسية وحزبية ضيقة، الأمر الذي انعكس سلباً على استقرار العمل المحلي وأربك تنفيذ الخطط والمشاريع".
وأكد أن المواطن في تلك المحافظات "لم يلمس تحسناً نوعياً في ملفات البنى التحتية أو الخدمات الأساسية، رغم مرور فترة كافية على تشكيل الإدارات الجديدة". وأشار الكعبي إلى أن "استمرار الصراعات الداخلية وصناعة الأزمات بدلاً من تقديم الحلول سيؤدي إلى تعميق فجوة الثقة بين الشارع والطبقة السياسية، خاصة في ظل تصاعد الشعور بالإحباط من تكرار أنماط المحاصصة والفساد وتعثر المشاريع أو بقائها ضمن إطار الوعود غير المنجزة". ولفت إلى أن "تجربة اللامركزية لا يمكن أن تنجح ما لم تُفصل عن التجاذبات الحزبية الضيقة، وتُربط بمعايير الكفاءة والشفافية والمساءلة، مع ضرورة تمكين الأجهزة الرقابية وتعزيز دور المجتمع المحلي في متابعة الأداء". وحذر من أن "استمرار المشهد على حاله، دون مراجعة جدية لآليات إدارة المحافظات، قد يفضي إلى موجة غضب شعبي جديدة، في حال شعر المواطن بأن النظام السياسي غير قادر على إصلاح نفسه أو تصحيح مسارات الحكومات المحلية".
المحاصصة تهيمن على مجالس المحافظات
من جهته، قال المحلل السياسي داوود سلمان أن "مجالس المحافظات كان يفترض بها ترميم واقع مأزوم وإصلاح الخراب، والعمل على تعزيز اللامركزية ومنح الإدارات المحلية مساحة أوسع لاتخاذ القرار بما ينسجم مع خصوصية كل محافظة واحتياجاتها". وأَضاف سلمان في حديث مع "طريق الشعب"، أن "التطبيق العملي انحرف عن هذا المسار، نتيجة هيمنة القوى السياسية على آليات الاختيار والتعيين، واعتماد معايير الولاء الحزبي على حساب الكفاءة والخبرة".
وتابع ان "هذا الخلل البنيوي انعكس على طبيعة الأداء، وحوّل الكثير من المجالس إلى ساحات صراع سياسي، بدلاً من كونها منصات للتخطيط والتنفيذ"، مشيرا الى أن "النمو الحقيقي للعراق يبدأ من تنشيط محافظاته، باعتبارها الوحدات الأساسية في البناء الاقتصادي والاجتماعي، غير أن تعطّل المشاريع أو ضعف جدواها، فضلاً عن شبهات الفساد وسوء الإدارة، أسهمت في إبطاء عجلة التنمية المحلية".
ولفت سلمان إلى أن ما شهدته بعض المحافظات، مثل بابل وصلاح الدين والمثنى اخيراً من صراعات، يعكس حالة من إعادة ترتيب النفوذ السياسي داخل المجالس وليس سعياً لإصلاح إداري شامل.
واعتبر أن "تكرار الإقالات والاستقالات والصراعات على الصلاحيات يؤكد هشاشة التفاهمات السياسية التي تُبنى غالباً على تقاسم المواقع لا على برامج عمل واضحة"، مبيّنا أن "الأزمة لا تقتصر على الأداء المحلي فحسب، إذ ترتبط ببنية النظام السياسي الذي لا يزال يعاني من اختلالات عميقة تعرقل بناء مؤسسات مستقرة وفاعلة". وأضاف قائلاً ان "غياب المساءلة الحقيقية وتداخل المصالح الحزبية مع القرار التنفيذي يحدّان من قدرة الحكومات المحلية على العمل باستقلالية ومهنية"، داعيا إلى "مراجعة شاملة للإطار القانوني والدستوري المنظم لعمل الحكومات المحلية، بما يضمن وضوح الصلاحيات وتحديد المسؤوليات، ويمنع تضاربها بين المركز والمحافظات". كما اقترح "إعادة النظر في آلية اختيار المحافظين، عبر الانتخاب المباشر من قبل المواطنين، بما يعزز شرعية المنصب ويجعل المحافظ أكثر ارتباطاً بالناخبين".
المجالس معطلة وتحولت الى ساحات نفوذ
الى ذلك، قال د. جاسم الموسوي، أكاديمي ومحلل في الشأن السياسي، إن تجربة مجالس المحافظات في العراق تأثرت بشكل واضح بطبيعة الانقسامات والصراعات السياسية التي تطبع المشهد البرلماني، مشيراً إلى أن هذه الانعكاسات أفرغت المجالس من دورها الإداري والتشريعي المحلي، وحوّلتها في كثير من الأحيان إلى امتداد للصراع الحزبي الدائر في بغداد.
وأضاف الموسوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "ما حدث هو انتقال الخلافات بين الكتل السياسية من قبة البرلمان الى داخل مجالس المحافظات، لترتدي طابعاً إدارياً ظاهرياً، لكنها في جوهرها صراعات نفوذ ومصالح"، منبها الى أن "هذا الخلط بين العمل السياسي والعمل الإداري المحلي خلق إرباكاً واضحاً في الأداء، إذ باتت القرارات داخل بعض المجالس رهينة التوازنات الحزبية لا أولويات التنمية". وبيّن أن "الصراعات التي يفترض أن تكون على برامج خدمية ورؤى اقتصادية تحولت إلى تنافس على المواقع والمناصب، ما أثّر سلباً على استقرار الإدارة المحلية وأعاق تنفيذ الخطط". وتوقف عند مشاهد الاستقالات المتداولة إعلامياً، والخلافات التي تظهر بين المحافظين وأعضاء المجالس، لافتاً إلى أن إعلان مجلس محافظة قبول استقالة محافظ، ثم يظهر المحافظ لينفي ذلك لاحقاً عبر وسائل الإعلام، يكشف حجم الفجوة والصراع داخل المنظومة المحلية.
واعتبر أن مثل هذه الوقائع "تعكس غياب آليات مؤسسية واضحة لإدارة الخلافات، وتؤشر أن النزاع غالباً ما يكون قائماً على الاستحواذ على المنصب أكثر من كونه خلافاً حول برنامج عمل أو رؤية إصلاحية".
وبيّن أن "محاولة إزاحة محافظ أو التمسك بالمنصب لا تُقرأ بمعزل عن حسابات النفوذ السياسي والمالي، في ظل غياب وعي راسخ بطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق مجالس المحافظات".
وأكد أن "التعامل مع الاستقالة أو الإقالة ينبغي أن يجري وفق أطر قانونية ومؤسسية واضحة، لا عبر بيانات متضاربة أو تسجيلات مصورة تعكس ارتباكاً في إدارة الملف"، مشيرا الى أن هذا المشهد "يكرّس صورة سلبية لدى الرأي العام، ويعمّق الشكوك بشأن جدية التجربة اللامركزية في تحقيق التنمية، فالمواطن لا يعنيه حجم الصراع بقدر ما يعنيه توفر الخدمات وتحسين واقعه المعيشي، وعندما يرى أن الخلافات تطغى على العمل الخدمي، تتراجع ثقته بجدوى هذه المؤسسات".