ليس الفقد حدثًا شخصيًا حسب، بل هو في أحيان كثيرة خسارة معرفية صامتة، لا تُقاس بالألقاب ولا تُختصر بالسير الذاتية المختزلة، وبرحيل صديقي القاص والناقد والمعرفي ناجح المعموري، لا أجد نفسي أمام حزن إنساني حسب، بل أمام سيرة ثقافية عصامية نادرة، تستحق أن تُقرأ بوصفها إنموذجًا معرفيًا، لا مجرد حالة فردية عابرة. لقد كان الراحل واحدًا من أولئك الذين صنعوا مشروعهم الثقافي خارج أسوار الجامعة، واعتمدوا على جهدهم الذاتي في بناء وعيهم النقدي، حتى غدا اسمه مقترنًا بتخصص دقيق في النقد الأسطوري، ألّف فيه كتبًا تركت أثرها الواضح في المشهد الثقافي العربي والعراقي. فلم يدخل صديقي الجامعة يومًا، ولم يحمل شهادة أكاديمية، لكنه حمل ما هو أثقل وأدوم: الانضباط المعرفي،والصبر القرائي، والوعي المنهجي، في زمن تُختزل فيه القيمة العلمية باللقب، وتُقاس المعرفة بالشهادة، كان شاهدًا حيًا على أن الثقافة ليست نتاج مؤسسة فقط، بل ثمرة إرادة، وأن العصامية ليست نقصًا يُعوَّض، بل خيارًا معرفيًا صعبًا، يتطلب جهدًا مضاعفًا وانتباهًا نقديًا عاليًا فكان إنموذجي ومَثَلي الاعلى في هذه العصامية ، وما كان يثير إعجابي في تجربته، ليس كثافة قراءاته فقط، بل قدرته على تأثيث شخصيته الثقافية بوعي واضح؛ إذ لم يكن قارئًا نهِمًا بلا بوصلة، بل قارئًا انتقائيًا، يعرف ماذا يقرأ ولماذا يقرأ، لقد شق طريقه في النقد الأسطوري عبر قراءة عميقة في الميثولوجيا العالمية، من الأساطير الرافدينية إلى الإغريقية، ومن المقاربات الأنثروبولوجية إلى التأويلات الدينية و النفسية والرمزية، دون أن يقع في فخ النقل أو التبسيط ، كان يقرأ بوصفه ناقدًا لا تلميذًا، وباحثًا لا مستهلك معرفة، و منذ عام 2001 الذي شهد صدور كتابه الاول في الشأن الاسطوري والديانات الإبراهيمية (موسىٰ وأساطير الشرق) حتى كتابه الأخير بهذا الخصوص العنف المقدس في لاساطير العراقية) عام 2021 ومابين هذين الكتابين العديد من الكتب التي اهتمت باساطير الشرق والديانات والميثولوجيا، فقد أضاف للنقد الاسطوري دماءً جديدة وتجريبية تمثّلت في نقل موجهات هذا النقد من البعد التفسيري للاساطير والرموز الأسطورية والدينية إلى البعد التأويلي الذي لم تألفه الدراسات السابقة للنصوص الدينية والأساطير التي توقفت عند حدود التفسير وقراءتها على وفق سياقاتها التي انتجتها، فقد شكّلت مرجعية الراحل الفكرية والمعرفية والجمالية الأساس الذي انطلقت منه رؤيته التأويلية لتلك النصوص وفق سياق فكري واجتماعي ومعرفي معاصر، الأمر الذي أثار اهتمام المفكرين العرب بهذه الإضافة المعرفية. لقد علّمتني علاقتي به التي تمتدّ منذ سبعينات القرن الماضي حيث كنا نعمل وعدد من الرفاق في المكتب الصحفي لجريدة (طريق الشعب) في بابل وكذلك التعالق الدائم في أنشطة اتحاد الأدباء والكتاب في بابل درسًا بالغ الأهمية: أن التحصيل العلمي الحقيقي يبدأ من السؤال، لا من المنهج الجاهز، كنتُ، وأنا أراقب عصاميته الثقافية، أراجع علاقتي بالجامعة وبالمعرفة المؤسسية عمومًا، لم يدفعني ذلك إلى التقليل من شأن الدراسة الأكاديمية، بل إلى إعادة تعريفها؛ إذ أدركت أن الشهادة لا تصنع الناقد ما لم يسبقها جهد ذاتي، وأن الجامعة الحقيقية قد تكون مكتبة صغيرة، ووقتًا طويلًا، وضميرًا معرفيًا لا يهادن. كان صديقي الناقد مثالًا لما يمكن تسميته بـ الوعي النقدي الحر؛ وعي لا يخضع لسلطة المنهج الواحد، ولا ينصاع لإغراءات الموضة النقدية، لم يكن أسيرًا لمصطلحات عابرة، بل كان يؤمن بأن الأسطورة ليست ماضيًا منسيًا، بل بنية حية تتكرر في السرد الحديث، وفي الخطاب الثقافي المعاصر. وقد انعكس ذلك في كتبه الكثيرة التي لم تكتفِ بتطبيق المنهج الأسطوري، بل سعت إلى تبيئته، وربطه بالسياق المحلي، وبالذاكرة الجمعية، وبالتحولات الاجتماعية، وكذلك في مقارباته وكتبه النقدية التي حايث فيها عدد من التجارب الشعرية والسردية للكتاب العراقيين والعرب، حيث نجد جهدا استثنائيا في قراءة تلك المنجزات برؤية أسطورية تكشف عن تعالقها بهذه الشخصية أو تلك أو هذه الأسطورة أو تلك وهو بذلك يمدّ رابطاً بين الماضي والحاضر، فقد كانت رؤيته التأويلية للاساطير محط إعجاب وتقدير المفكرين العراقيين والعرب، وهو بذلك قد فتح باب تأويل الاساطير وإمكانية امتداد تأثيرها في الحاضر. أما تأثيره في مسيرتي النقدية، فلم يكن مباشرًا على مستوى الأفكار فقط، بل كان تأثيرًا أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد، فهو ينتمي إلى جيل الستينات من القرن الماضي ، ذلك الجيل الذي شكّلت رؤيته الفكرية والإبداعية جملة من الظواهر السياسية والإجتماعية والفكرية عالمياً وعربياً ومحلياً ، فمن ضرب اليسار العراقي عام 1963 إلى نكسة العرب عام 1967 إلى إضرابات الطلبة في امريكا وفرنسا عام 1968والتي نجم عنها التحول البنيوي على صعيد الفكر العالمي وانتقال الغرب من الحداثة إلى ما بعد الحداثة وتأثير ذلك التحول ليس في المجتمع العربي وانما خارج جغرافية الحداثة الغربية، فقد بدأ مشواره الإبداعي قاصاً تمثّلت قصصه ورواياته التي صدرت بين عامي 1969- 1986 كل تلك الأحداث التي كوّنت شخصيته الإبداعية التي كنت قريباً منها، لقد شجعني من دون أن يقصد ربما، على الاعتماد على نفسي في التحصيل العلمي، وعلى ألا أتعامل مع المنهج بوصفه وصفة جاهزة، بل أداة قابلة للمساءلة، من خلاله، تعلمت أن القراءة فعل مقاومة، وأن المعرفة التي تُنتزع بالجهد الشخصي تكون أكثر رسوخًا وأقل قابلية للتزييف. برحيلك يا أبا وهب يخسر المشهد الثقافي ناقدًا عصاميًا نادرًا تمتدّ أثره في الفعاليات الفكرية عبر (منبر عقل) الذي قام بتأسيسه حين اعتلى ناصية رئاسة الاتحاد العام الادباء والكتاب العراقيين، وخسر جيلنا شاهدًا على زمن كانت فيه المعرفة تُنال بالصبر لا بالسرعة، وبالعمق لا بالاستعراض ، غير أن أثرك سيبقى، لا في كتبك وحدها، بل في أولئك الذين تعلموا منك — عن قرب أو عن بعد — أن الثقافة موقف، وأن العصامية ليست بديلًا اضطراريًا، بل مشروعًا معرفيًا كاملًا.
رحل المعموري، لكن جامعته التي بناها بنفسه ما زالت مفتوحة، أبوابها من كتب، وقاعاتها من أسئلة، وأساتذتها من ضمير نقدي لا يموت. منك تعلمنا أن الثقافة موقف، وأن العصامية ليست بديلا اضطرارياً ،بل مشروعاً معرفياً كاملاً. رحل صديقي، ولكن جامعته التي بناها بنفسه مازالت مفتوحة، أبوابها من كتب، وقاعاتها من أسئلة ،أساتذتها من ضمير نقدي لا يموت.