إنَّ الاضطهاد بوصفه ظاهرةً اجتماعية وثقافية ليس مجرد سلوكٍ فردي عابر، بل هو نتاجُ منظوماتٍ رمزيةٍ وتشريعيةٍ وقيميةٍ كرَّست عبر قرونٍ طويلةٍ هيمنةَ الثقافة الذكورية، وأعادت إنتاجها داخل الأسرة والمؤسسة الاجتماعية والخطاب الثقافي، وفي كثيرٍ من المجتمعات التقليدية، ومنها المجتمع العربي، تتعرض المرأة لأشكالٍ متباينةٍ من الإقصاء والتهميش، تبدأ بتقييد حريتها بوصفها ابنةً خاضعةً لسلطة الأب ثم الأخ الأكبر ، ولا تنتهي بخضوعها لسلطة الزوج بعد انتقالها إلى مؤسسة الزواج، الأمر الذي يجعل الاضطهاد يتخذ طابعاً مزدوجاً تتعاقب فيه السلطات من دون أن تنكسر بنيتها العميقة ، وقد انعكست هذه البنية على الإبداع النسوي الذي لم يعد يكتفي بتسجيل التجربة الشخصية، بل غدا فضاءً لمساءلة النسق الثقافي وكشف آليات الهيمنة التي تنتج الظلم وتمنحه شرعيةً اجتماعية. ومن هنا يغدو النص الشعري الأنثوي وثيقةً جماليةً وثقافيةً في آنٍ واحد، إذ يحوّل المعاناة الفردية إلى خطابٍ احتجاجي يفضح البنية الذكورية ويكشف أثرها في تشكيل هوية المرأة ووعيها بذاتها. وعلى هذا الأساس، تسعى هذه المقاربة إلى تتبع تمثلات الاضطهاد المزدوج في النص الشعري الأنثوي، والكشف عن الكيفية التي يعيد بها النص بناء تجربة المرأة بوصفها ابنةً وزوجةً واقعتين تحت سلطتين متعاقبتين، بما يجعل الشعر فعلاً للمقاومة الرمزية، وإدانةً للأنساق الثقافية التي ما تزال تعيد إنتاج الاضطهاد بأشكالٍ مختلفة، وقد اخترنا نصاً للشاعرة العراقية نور درويش نموذجاً:
( وانا صغيرة طردني ابي ،
وأنا كبيرةٌ طردني زوجي.
من حينها وأنا أعيش
حياةَ المطرودين
في بيوتٍ لا أملكها.
في المرة الأولى، حين سمعتُ: اخرجي من البيت،
ذهبتُ إلى المطبخ،
وبقيتُ فيه حتى استوى الألم.
وفي الثانية، حين قال: لا تعودي إلى البيت مرةً أخرى،
بقيتُ جالسةً على الأريكة
حتى ذابت رُكبتي.
عيشةُ المطرودين توفّر الدموع،
غيرَ أنَّ الإحساسَ يتعفّن من قلّة الاستعمال.
نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا،
وأحذيتي تحلم نيابةً عني.)
الشاعرة نور درويش/ الصفحة الشخصية 19/7/2026
*ينفتح النص السالف للشاعرة نور درويش --التي اراقب وأتابع مشروعها الشعري منذ سنوات قبل صدور ديوانها الاول( شجرة مقطوعة بشفرة حلاقة) دار ابجد / .2024 ,..ومساهمتها في الجلسات الشعرية لاتحاد أدباء وكتاب العراق كما وتضمن ( كتاب القلق العراقي /انطولوجيا الشعر العراقي الجديد ) الصادر عن الاتحاد العام الادباء في العراق بعضا من نصوصها الشعرية -- على منطقة شديدة الحساسية ، فهو لا يقدّم المرأة بوصفها ضحية حادثة فردية، بل بوصفها ذاتًا تقع داخل نظام اجتماعي يجعل الإقصاء جزءًا من سيرورة تكوينها منذ الطفولة وحتى الزواج ، وهي إذ تقول: «وأنا صغيرةٌ طردني أبي، وأنا كبيرةٌ طردني زوجي» لا يؤسس لمفارقة سردية فحسب، وإنما يكشف عن استمرارية السلطة الذكورية وانتقالها من الأب إلى الزوج، بما يجعل المرأة تدور داخل دائرة مغلقة من الوصاية والإقصاء، وكأن حياتها لا تعرف لحظة تتحقق فيها ذاتها المستقلة، ومن منظور النقد النسوي لا يمثل الأب والزوج شخصين بعينهما، بل يمثلان مؤسستين اجتماعيتين تمارسان السلطة نفسها بأدوات مختلفة؛ فالأب يحتكر حق الانتماء الأول، والزوج يحتكر حق الانتماء الثاني، بينما تظل المرأة محرومة من امتلاك فضائها الخاص ، ولهذا يكتسب فعل «الطرد» دلالة تتجاوز معناه المباشر ليصبح آلية لإلغاء الذات وتجريدها من حقها في المكان والهوية ، ويزداد هذا المعنى رسوخًا في قولها: «في بيوتٍ لا أملكها»، إذ يتحول البيت، الذي يُفترض أن يكون رمز الأمان، إلى فضاء مؤقت لا يمنحها الإقامة بقدر ما يمنحها الإذن المشروط بالبقاء ، فالمرأة هنا لا تمتلك بيتًا، بل تُستضاف فيه حتى إشعار آخر، ولذلك فإن وجودها كله يصبح معلقًا بإرادة الآخر ، وهذه إحدى أهم القضايا التي اشتغل عليها النقد النسوي، حين كشف أن السيطرة على المكان ليست قضية عمرانية، بل هي ممارسة للهيمنة على الجسد والهوية والقرار ، ولا يقف النص عند حدود كشف هذا الاضطهاد، بل يبتكر لغة شعرية تجعل الألم يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية ، ففي المرة الأولى، عندما تسمع عبارة «اخرجي من البيت»، لا تصرخ ولا تواجه، وإنما تذهب إلى المطبخ وتنتظر حتى «استوى الألم». إن استعارة الاستواء، المستعارة من فعل الطبخ، تحوّل الألم إلى مادة تنضج ببطء داخل الجسد، وكأن المرأة تعيد إنتاج معاناتها بصمت، لأن الثقافة الأبوية لم تمنحها لغة للاعتراض بقدر ما دربتها على التحمل ، أما في التجربة الثانية، فإنها تبقى جالسة على الأريكة حتى «ذابت ركبتي»، وهي صورة تجمع بين السكون القسري والانهيار الداخلي، فالجلوس ليس راحة، وإنما شلل وجودي، والذوبان لا يعني الفناء الجسدي بقدر ما يعني تآكل القدرة على الحركة واتخاذ القرار ، وهنا ينجح النص في تصوير أثر العنف الرمزي، الذي لا يحتاج إلى الضرب أو الإهانة المباشرة، لأن الكلمة وحدها قادرة على تحطيم الإنسان عندما تصدر عن سلطة تمتلك حق الطرد ، طومن اللافت أن الشاعرة لا تبالغ في الانفعال، بل تعتمد اقتصادًا لغويًا يجعل الصورة أكثر قسوة، لأن البرودة التعبيرية نفسها تكشف حجم الاعتياد على الألم. ولهذا تأتي العبارة: «عيشةُ المطرودين توفّر الدموع، غير أن الإحساس يتعفّن من قلّة الاستعمال» بوصفها ذروة الرؤية الفكرية للنص. فالمطرود لا يفقد المكان فقط، بل يفقد تدريجيًا قدرته على الإحساس، لأن التكرار يحول المأساة إلى حالة اعتيادية ، إن تعفن الإحساس صورة بالغة العمق؛ فهي تشير إلى أن الإنسان حين يتعرض باستمرار للإقصاء يتوقف عن الشعور، لا لأنه تجاوز الألم، بل لأن الألم استهلك جميع طاقاته العاطفية. ومن منظور نسوي، فإن هذه الجملة تفضح أخطر نتائج القهر، إذ لا يقتصر أثره على الخارج، بل يعيد تشكيل الداخل النفسي للمرأة حتى تصبح عاجزة عن استثمار مشاعرها في بناء ذاتها ، ويختتم النص بصورتين بالغتي الكثافة: «نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا، وأحذيتي تحلم نيابةً عني». فالذبح المؤجل يوحي بأن التهديد لا ينتهي، وإنما يستمر بوصفه قدرًا مفتوحًا، وهو ما يجعل المرأة تعيش تحت سلطة الخوف حتى عندما لا يقع العنف فعليًا، أما الأحذية التي تحلم نيابة عنها، فهي من أجمل الاستعارات في النص؛ إذ تنتقل القدرة على الحلم من الإنسان إلى الشيء، لأن الذات فقدت حتى حقها في تخيل المستقبل. لقد أصبحت الأحذية، بما تمثله من حركة وارتحال، أكثر قدرة على الحلم من صاحبتها التي أرهقها الطرد المتكرر. وهكذا ينجح النص في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة على بنية اجتماعية كاملة، حيث يتجسد الاضطهاد المزدوج في انتقال المرأة من سلطة الأب إلى سلطة الزوج دون أن تمر بمحطة تمتلك فيها ذاتها أو بيتها أو قرارها ، ومن هنا تتجلى قيمة النص في أنه لا يدعو إلى مواجهة مباشرة مع الرجل بوصفه خصمًا بيولوجيًا، وإنما يكشف البنية الثقافية التي تجعل المرأة موضوعًا للامتلاك والإقصاء في آن واحد ، لذلك فإن القراءة النسوية لهذا النص لا تنشغل بالبكاء على مصير امرأة واحدة، بل ترى فيه تفكيكًا لمنظومة الهيمنة الذكورية التي تجعل الطرد ممارسة متوارثة، وتحوّل المرأة إلى كائن يعيش دائمًا على هامش المكان، منتظرًا اعترافًا لا يأتي، أو بيتًا لا يُطرد منه، أو حلمًا يستطيع أن يحمله بنفسه بدل أن تحمله أحذيته.
لقد نجح النص في بلوغ ذروته الشعرية في نهايته لا في بدايته ولو استطاع أن يحافظ على هذا المستوى من التكثيف والاحياء منذ المطلع لازدادت قيمته الفنية ، ولأصبحت رسالته النسوية أكثر تأثيرا ، لأن الشعر يقنع بالإيحاء أكثر مايقنع بالتصريح .
ويختتم النص بصورتين بالغتي الكثافة: «نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا، وأحذيتي تحلم نيابةً عني». فالذبح المؤجل يوحي بأن التهديد لا ينتهي، وإنما يستمر بوصفه قدرًا مفتوحًا، وهو ما يجعل المرأة تعيش تحت سلطة الخوف حتى عندما لا يقع العنف فعليًا ، أما الأحذية التي تحلم نيابة عنها، فهي من أجمل الاستعارات في النص؛ إذ تنتقل القدرة على الحلم من الإنسان إلى الشيء، لأن الذات فقدت حتى حقها في تخيل المستقبل. لقد أصبحت الأحذية، بما تمثله من حركة وارتحال، أكثر قدرة على الحلم من صاحبتها التي أرهقها الطرد المتكرر. وهكذا ينجح النص في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة على بنية اجتماعية كاملة، حيث يتجسد الاضطهاد المزدوج في انتقال المرأة من سلطة الأب إلى سلطة الزوج دون أن تمر بمحطة تمتلك فيها ذاتها أو بيتها أو قرارها ، ومن هنا تتجلى قيمة النص في أنه لا يدعو إلى مواجهة مباشرة مع الرجل بوصفه خصمًا بيولوجيًا، وإنما يكشف البنية الثقافية التي تجعل المرأة موضوعًا للامتلاك والإقصاء في آن واحد ، لذلك فإن القراءة النسوية لهذا النص لا تنشغل بالبكاء على مصير امرأة واحدة، بل ترى فيه تفكيكًا لمنظومة الهيمنة الذكورية التي تجعل الطرد ممارسة متوارثة، وتحوّل المرأة إلى كائن يعيش دائمًا على هامش المكان، منتظرًا اعترافًا لا يأتي، أو بيتًا لا يُطرد منه، أو حلمًا يستطيع أن يحمله بنفسه بدل أن تحمله أحذيته.
لقد نجح النص في بلوغ ذروته الشعرية في نهايته لا في بدايته ولو استطاع أن يحافظ على هذا المستوى من التكثيف والاحياء منذ المطلع لازدادت قيمته الفنية ، ولأصبحت رسالته النسوية أكثر تأثيرا ، لأن الشعر يقنع بالإيحاء أكثر ما يقنع بالتصريح.