اخر الاخبار

يقال أن "التأريخ عربة تجرها الشعوب من أجل تخليد طغاتها!" وهذا ما يحدث فعلا حين نسترجع آثام الطغاة، التي تلكز خواصرنا بسكين حاد كل لحظة.

نتابع يوميا في أيامنا الرمضانية هذه مسلسل "اسمي حسن" على القناة العراقية، وكمن ينكأ جروحه بيده ويرش عليها الملح، نستعيد لحظات القمع والاستبداد أبان حكم الدكتاتورية، وما عشنا من اضطهاد وقهر وملاحقة وتغييب لأبطال أعزاء من أهلنا وأقاربنا وأصدقائنا. كيف لنا أن ننسى وتوابع تلك الأيام السود تؤرقنا، نسترجع الخوف الذي ترسب في أرواحنا، بل ربما في جيناتنا وجينات أطفالنا الذين كبروا على فواجع فقدان الأم والأب، وتغييبهم في السجون، ثم قتلهم بإعدامات غادرة وإيداعهم أراضٍ مجهولة، اتسعت لحُفر واسعة سميت فيما بعد "المقابر الجماعية".

 يعرض المسلسل في حلقاته الأولى التي شاهدناها حتى الآن تفاصيل غابت عن الكثيرين، خصوصا من أجيال الثمانينات والتسعينات وما تلاها، ممن لم يعرفوا ما حل بنا آنذاك، وكيف واجه الأبطال من معارضي النظام الفاشي من شيوعيين ودعاة ووطنين آخرين، عرباً وكرداً ومن الاقليات، بشاعات التعذيب والتصفية الوحشية بهدف القضاء التام عليهم وعلى أحزابهم.

وللتاريخ قوله أيضا ان " دوام الحال من المحال"، وها هي اليوم جرائم البعث تعرض بصراحة ووضوح، دون خوف أو وجل في سهرة تلفزيونية رمضانية! ولسان حال الباقين أحياءً من المناضلين يكرر مقطعا من أغنية لجعفر حسن تقول: "اللي يمشي بدربنا شيشوف .. لو موت لو سعاده / وإحنا دربنا معروف .. والوفا عدنا عاده". نعم ظلوا أوفياء لمبادئهم ولأحزابهم بأيمان وعقيدة لا يتزحزحان، بل زادت وانتشرت كما بيت الشعر القائل واصفا امتداد الحزب الشيوعي: "مثل الثيل عادتك .. تنحش ترد ردود".

في حلقة الاثنين 23 شباط طرح المسلسل بالإضافة لمحن اضطهاد الشيوعيين وتعذيب أفراد حزب الدعوة وإهانة الرجل المعمم، قضية تسفيرات "ذوي التبعية"، مبينا معاناتهم بمواجهة المصير المجهول بعد طردهم وإبعادهم الى الحدود، مجردين من كل شيء تماما. وأعادت تلك المشاهد العشرات بل الألوف من الصور التي تثقل القلوب وتترسب في أعماق الأعماق، من مثل ما تعرضت له ابنة خالي الشابة من إهانة وإذلال بعد إلقاء القبض على زوجها، وسجنها وأطفالها مع المئات في مدرسة حكومية، ومن ثم إطلاق سراحها بواسطة من أخيها البعثي بشرط عدم مغادرتها رفقة زوجها.. وعاشت المسكينة ذليلة تخدم إخوتها وتربي ولديها بصبر تنوء بحمله الجبال، وحتى أيام انتفاضة آذار وتمكن زوجها من الوصول الى كردستان العراق. وعندما ارسل بطلبها مع ولديه، منعها أخوها بشراسة من الذهاب، فأصابها الكمد والقهر حتى أكلها بالسرطان وغادرت عالمنا شابة بمقتبل العمر.

وقصة أخرى تبدو غريبة حين طرق بابنا جارنا الشاب دامع العينين، محتضنا كلبه الأبيض الصغير، طالبا منا إيواءه .. ثم شاهدتُ بعيني وأنا صغيرة سيارة الشرطة تقتاده وزوجته بتهمة التبعية، وتبعدهما الى الحدود.