من أولويات حقوق المواطن في كل بقعةٍ من العالم امتلاكه قطعة أرضٍ تكون له ولعائلته، بيتاً يؤويه ووطناً مصغّراً يستريح فيه ليبدأ حياته الاجتماعية والعملية، حيث تجد للفرد من مواطني أي دولة الحق في امتلاكه أو امتلاك شقة سكنية، إلاّ في هذا البلد المسكون بالحروب والفساد المشرعن والخراب و ما الى ذلك. يظلّ هذا حلماً وهاجساً يسكن الواحد منّا منذ الولادة حتى الممات، تراه يلهث في الحصول عليها بشتّى الوسائل دون نتيجة إلاّ ما ندر! الموظف الذي يقضي نصف عمره إن لم نقل كلّه في الوظيفة، يظل منتظراً أن تتكرم الدولة عليه بقطعة أرضٍ يبنيها له ولعائلته كيفما تكون، انتظار مملٍّ قد يطول الى أن يتقاعد أو يموت ولا يحصل عليها، وقد يحصل عليها في ظرفٍ صعبٍ يكون أحوج فيه الى المال فيبيعها ليسدد ديونه!
استذكرت هذا حين رأيت المسؤولين في حكومتينا المركزية والمحلّية، يهبون الارض وما عليها دون النظر في احتياجات الناس، وننتظر مع المنتظرين نحن الأدباء والصحفيين والفنانين أن يتكرّم علينا أعلى مسؤول في هرم السلطة، ويلتفت الينا بجرّة قلم لا تأخذ من وقته الثمين جدا أكثر من ثوانٍ معدودات، ليمنحنا موافقته على تخصيص قطعة أرض. ومثلنا الكثير من شرائح المجتمع العراقي يقفون في طابور الانتظار والأحلام هذا!
منذ سنوات وسنوات تم ترويج معاملات كل شرائح المجتمع، إلاّ إنها بقيت طيّ الأدراج، إضافة الى معاملات الآخرين من أعضاء النقابات والاتحادات والمؤسسات المهنية والمجتمع المدني، الذين يفرحون ساعة طلب تقديم ما مطلوب منهم من مستمسكات ثم يصدمون بالانتظار الغودوي !! ونظرة سريعة الى المواطن العراقي نراه يبدأ حياته حالماً بهذه القطعة، وقد يحصل عليها بعد فوات الأوان، لهذا كثرت العشوائيات وبيوت التجاوز والساكنين في أماكن غير مؤهلة للسكن صحيا.
ولأنه قدّم وما زال يقدم الغالي والنفيس في خدمة الوطن والدفاع عنه علينا أن نفكّر به بشكل جدي وإحساس عالٍ بالمسؤولية تجاهه، حيث علينا ــ وهذا للسادة المسؤولين طبعاً ــ أن نفرز كل الأرض غير الزراعية وغيرالنفطية في كل محافظاتنا العزيزة ونقدّمها هدّية ــ بل استحقاقاً ــ لمواطنينا الصابرين المكافحين، الذين ما انفكوا يحملون العراق نبضاً بين جوانحهم، لا أن نتركهم في دوّامة البحث وأرق الأحلام وكوابيسها كل لحظة ونتناسى أننا مسؤولون عن كل حقوقهم الإنسانية في العيش الكريم!
قطعة الأرض الحلم يجب أن تكون حقيقة يعيشها العراقي، لا أن نتركه عرضة لهوى هذا المسؤول ومزاج ذاك من المتحكمين في أقدار الناس. العراقي يستحقّ ماء العين فكيف بأرض يسكنها وعائلته والأرض مترامية على مد البصر؟
علينا أن نجعله يعيش السعادة والرخاء في بيت يمتلكه لا نمنّ عليه ونجعله يدور في دوّامة المعاملات والدوائر كالغريب، وننسى كل شيء لنفكّر فقط في مصالحنا الفئوية والحزبية والمحاصصة والسحت الحرام، الذي يملأ جيوبنا و(طشّة) التواصل الاجتماعي.
ولنعلم أن الأرض تدور حول الشمس، ولا يمكن أن تستقر على أحد ذات يوم!