بينما يتواصل الركض الماراثوني لتشكيل الحكومة الجديدة، في ظل مؤشرات تشي بانها لن تخرج عن السياقات التي تحكمت في مسار التكوين سابقا، بل قد تكون جوانب أخرى تضخمت، خاصة ما يتعلق بتقاسم الحصص ومساعي تلبية ضغوط هذا الطرف المتنفذ او ذاك، عبر استحداث مناصب ترضية جديدة تزيد من الضغط على الموازنة العامة، التي اثقلها المتنفذون بالتعيينات الزبائنية، يبقى مهما الاستمرار في تسليط الأضواء على حالة حقوق الانسان في العراق، وبضمنها حقوق التعبير بحرية والتظاهر والاحتجاج، المكفولة دستوريا لكن المنتهكة كثيرا في الواقع.
حالة حقوق الانسان ما زالت تثيرا قلقا مشروعا، ولا يقف الامر عند التضييق الحاصل على النشر في الفضاء الرقمي، بل يتعدى ذلك الى التعامل اللاقانوني والعنيف مع تظاهرات سلمية، مطلبية او غيرها. ومثال ذلك ما حصل أخيرا مع تظاهرة الفلاحين والمزارعين، والتي كانت سلمية للتعبير عن مطالب مشروعة ودفاعا عن حقهم في العيش الكريم، وفي الاسهام بقسطهم في توفير مفردات السلة الغذائية للمواطن العراقي، في وقت يستمر فيه ارتفاع الأسعار وفتح الأبواب للاستيراد على حساب المنتج الوطني. والغريب ان الحكومة تنصلت عن مسؤوليتها عما حصل للفلاحين، والقت باللائمة على القوات الأمنية وكأن الأخيرة تتصرف بمعزل عن قياداتها المسؤولة!
ما حصل للفلاحين والمزارعين ليس حدثا عابرا منفردا، بل هو في سياق انتهاكات متكررة وضيق من الرأي الآخر، وقد شهدنا المضايقات أيضا لتظاهرة ذوي المهن الصحية، التي جاءت بعد يوم من الاحتجاج السلمي للفلاحين.
والتهديد الخطر يتمثل أيضا في محاولات الاغتيال، كما حصل مع الناشط ماجد ضرغام. فاستهداف النشطاء عبر التهديد او محاولات الاغتيال الفعلي، ليس فقط انتهاكا لحقوق التعبير والتظاهر، بل ومصادرة لحق الحياة للمواطن العراقي، ويهدف الى إسكان الأصوات التي تسلط الأضواء على الفساد ونهب المال العام وسوء الإدارة، وعلى فشل المشاريع الحكومية، ومصادرة أراضي الدولة ونهبها، كذلك اسكات من يرون ان لا مستقبل للبلد في ظل نهج منظومة الحكم الحالية، التي استنفدت كل أسباب استمرارها وغدت عقبة كأداء امام أي مسعى للإصلاح والتغيير الجديين.
كذلك بيّن تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام ٢٠٢٦ وجود فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق. وهنا يبرز على نحو مقلق استمرار حالة الإفلات من العقاب وغياب المساءلة، وعدم انصاف الضحايا وعوائلهم. وقد حدث ذلك مع عوائل ضحايا وشهداء انتفاضة تشرين ٢٠١٩، ومع حالات الاغتيال التي طالت عددا من أصحاب الرأي والنشطاء، وبانتظار من يأتي الى موقع القرار ليميط اللثام بجرأة وشجاعة ويكشف الحقائق، سواء المتعلقة بملف الاغتيالات او التغييب القسري أو بملفات الفساد. ويتوجب ان تبدأ المساءلة قبل كل شيء مع المسؤولين الذين كرروا القول على مسمع ومشهد من العراقيين، بان لديهم ملفات فساد لو كشفوها لانقلبت الأحوال رأسا على عقب!
ان تراكم الوقائع ذات الصلة بانتهاك حقوق الانسان، بما فيها الحق في التعبير، يؤشر وجود نمط مقلق من السلوك الذي يصعب النظر اليه بمعزل عن طبيعة المنظومة الحاكمة والمتنفذة، ولا بمعزل عن إمكانية تنفيذ القوانين وتطبيقها على الجميع بعيدا عن الانتقائية. وفي هذا السياق يجري استخدام مخلّ لصياغات فضفاضة في القوانين الموروثة من النظام المقبور، لتبرير ما يوجه من تهم " الإساءة" او " الاخلال بالنظام العام " وهو ما يمكن توظيفه ضد المعارضين والنشطاء او حتى ضد المنتقدين كما حصل في محافظة الانبار.
ونشير الى ان هامش الحرية والديمقراطية وحيث ما انفكت مساعي المتنفذين على اختلاف تلاوينهم للتضييق عليه ومصادرته بمختلف الاشكال، بما في ذلك توظيف الدين والمقدس، يبقى موضع صراع وتحد، وباتجاه المزيد من الضغط السلمي ليبقى خطا احمر امام من يسعى الى التهميش والاقصاء وقمع الرأي الاخر، وعرقلة أي مسعى جاد لبلورة البديل المرتجى لمنظومة اقترفت، وما زالت تقترف الأخطاء والخطايا، حتى اوصلت بلادنا الى ما هي فيه من كوارث ومآسٍ وأزمات.