اخر الاخبار

منذ منتصف القرن الماضي، أصبحت كرة القدم اللعبة الشعبية والجماهيرية الأولى في الساحة الرياضية العراقية، وتحولت إلى اللعبة التي لا تغيب عنها الأضواء. وعلى الرغم من وجود ألعاب أخرى مثل كرة السلة والكرة الطائرة ورفع الأثقال وألعاب الساحة والميدان، إلا أنها بقيت متأخرة عن اللعبة الأولى، كرة القدم.

وقد استثمرت الحكومات العراقية، شأنها شأن الكثير من بلدان العالم، في اللعبة الشعبية الأولى، فبقيت وحدها في الواجهة دون الاهتمام الكافي بالألعاب الأخرى. واتجه أغلب الشباب نحو كرة القدم، فتعلقوا بها وأصبحوا شغوفين بممارستها، إلا أن هناك من اختار ألعاباً أخرى، فوجدنا من تفوق في كرة السلة، وآخرين أبدعوا في الكرة الطائرة، فضلاً عن شباب تألقوا في الألعاب الفردية مثل الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال، لكنها بقيت ضمن نطاق محدود ولم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه.

وهنا تبرز مشكلة حقيقية في القطاع الرياضي، إذ تزاحم البراعم والصغار على ملاعب كرة القدم، في مقابل تراجع الاهتمام ببقية الألعاب. وعلى الرغم من الجهود المتواصلة والحثيثة التي يبذلها القائمون على تلك الألعاب، فإن التحشيد والاندفاع الجماهيري والإعلامي بقي موجهاً نحو كرة القدم، مع تجاهل واضح للألعاب الأخرى. وهذا الواقع يتطلب توجهاً أكبر واهتماماً أوسع لدعم مختلف الألعاب الرياضية وتشجيع ممارستها.

إن هذا التوجه يجب أن يبدأ من الحكومة والمؤسسات الرياضية المعنية، عبر وضع خطط حقيقية لدفع الشباب والشابات إلى ممارسة ألعاب متنوعة، أسوة بما تقوم به حكومات الدول المتقدمة ولجانها الأولمبية، التي تعمل على استقطاب الطاقات الشابة وتوجيهها نحو الألعاب التي تتناسب مع قدراتهم البدنية والفنية، حتى وإن لم تكن تلك الألعاب ضمن اهتماماتهم الأساسية.

ففي العديد من الدول المتقدمة، لا يُترك اختيار اللعبة الرياضية للصدفة أو للرغبة الشخصية فقط، بل يتم الاعتماد على خبرات المدربين والمختصين في اكتشاف المواهب وتوجيهها بالشكل الصحيح. إذ يتم اختيار الرياضيين وفقاً لبنيتهم الجسمانية وقابلياتهم البدنية والذهنية، ما يساعد على صناعة أبطال قادرين على تحقيق الإنجازات في مختلف الألعاب.

إن تنويع الرياضات ومجالات الممارسة الرياضية يسهم في اكتشاف مواهب جديدة وصناعة أبطال بمواصفات متميزة. كما أن الاهتمام بالألعاب المختلفة يساعد على بروز طاقات قد لا يلتفت إليها البعض من مدربي الألعاب الرياضية، الأمر الذي يفتح الباب أمام ظهور أبطال قادرين على تحقيق البطولات والميداليات في ألعاب لم تكن ضمن حسابات المؤسسات الرياضية.

ومن خلال هذا التوجه يمكن خلق جيل من المبدعين والرياضيين المتميزين، يمتلكون قدرات تؤهلهم لتحقيق منجزات رياضية كبيرة، وتجاوز الصعوبات التي تعيشها الرياضة الوطنية. فالكثير من الدول حققت نجاحاتها الرياضية عبر الاهتمام بجميع الألعاب وعدم حصر الدعم والاهتمام بلعبة واحدة فقط.

إن الرياضة بمختلف أنواعها أصبحت اليوم مفتوحة أمام جميع شعوب العالم، وأصبح الرياضيون قادرين على التنافس في مختلف المجالات الرياضية، في ظل تطور أساليب التدريب واتساع ميادين الممارسة الرياضية. كما أن الخيارات أصبحت متاحة أمام الجميع، والقدرات الرياضية يمكن أن تتطور في أي لعبة إذا توفرت البيئة المناسبة والدعم الحقيقي.

لذلك، فإن من الضروري الاستفادة من خبرات وتجارب الدول المتقدمة في المجال الرياضي، والعمل على تطوير جميع الألعاب وعدم حصر إمكانيات الرياضيين العراقيين بكرة القدم فقط، بل الانفتاح على مختلف الألعاب والسعي إلى بناء قاعدة رياضية واسعة قادرة على إنتاج الأبطال وتحقيق الإنجازات باسم العراق.