مع الحديث عن نهاية أيلول بوصفها موعداً لاختبار جدية حصر السلاح، يعود السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً: هل نحن حقا أمام عملية تستعيد فيها الدولة حقها الحصري في امتلاك القوة، وفي استخدامها وفق القانون، أم أننا أمام تسوية شكلية تغيّر مواقع السلاح، من دون أن تنهي وظائفه؟
لا تستقيم الدعوة إلى حصر السلاح مع بقاء الحماية السياسية. فالجهة التي تسلّم سلاحها، في حين تحمي مطلوباً، أو تعطل تحقيقاً، أو تمنع تنفيذ حكم قضائي، لم تدخل فعلاً في منطق الدولة. ولا قيمة لإعلانها فك الارتباط بالسلاح إذا بقي نفوذها مؤثرا في السياسة والاقتصاد والانتخابات.
فحصر السلاح لا يُقاس فقط بعدد القطع التي تُسلّم إلى الدولة، بل كذلك بحجم ما يتراجع من نفوذ قادة الفصائل في القرار السياسي، وفي العقود والمنافذ والهيئات الاقتصادية، وفي تشكيل الحكومات وتعيين المسؤولين وتوجيه إرادة الناخبين. قد تُسلَّم بنادق، وتُغلق مقرات، وتُرفع لافتات، لكن السلاح الذي يخلع بزته العسكرية ويرتدي ربطة عنق سياسية لا يصبح مدنياً. إنه يغيّر مظهره وحسب، فيما يحتفظ بفاعليته.
إن خطورة السلاح خارج الدولة تكمن في قدرته على منع السياسة من أن تكون مدنية، والانتخابات من أن تكون حرة، والاقتصاد من أن يخضع للقانون والمنافسة العادلة. وحين يجتمع السلاح والمال والنفوذ لدى طرف سياسي واحد، فإنه لا يعود طرفاً مساوياً للآخرين، بل يتحول إلى سلطة موازية تفرض شروطها داخل المؤسسات وخارجها.
لهذا لا يتمثل المعيار الحقيقي لنجاح نزع السلاح في مجرد الإجابة بالايجاب عن أسئلة مثل: هل تنعدم القدرة على فرض المرشحين؟ هل تُرفع اليد عن الموارد والمنافذ والعقود؟ هل تنتهي الحماية التي تمنع مساءلة المتورطين في الفساد والاغتيالات والاعتداء على المحتجين؟ وهل يصبح القانون قادراً على الوصول إلى الجميع، ولا يتوقف عند أبواب النافذين؟
لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً لتعدد مراكز القوة، ليس بالضحايا والاضطراب الأمني وحدهما، بل كذلك بإضعاف الدولة وتحويل مؤسساتها إلى مساحات لتقاسم المصالح. ودفع المحتجون والناشطون ثمناً مضاعفاً، لأنهم طالبوا بدولة لا ينازعها أحد سلطتها، وبمواطنة يحميها الدستور والقانون وليس الانتماء إلى جماعة مسلحة.
إن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على تحرير المواطن من الخوف، وإعادة السياسة إلى المواطنين، والقرار إلى المؤسسات، والقوة إلى القانون. وهذا لا يتحقق الا بإصلاح سياسي وقضائي واقتصادي، يقطع الصلات بين السلاح والمال والنفوذ.
نعم .. نهاية أيلول هي الموعد المعلن لحصر السلاح، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تسليم البندقية: هل يغادر نفوذها معها مؤسسات الدولة، أم يبقى يتحكم ويحكم من وراء الستار؟