يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات الداخل مع الصراعات الإقليمية، وتتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية. فلم يعد المشهد يقتصر على تنافس القوى الداخلية، بل أصبح ساحة يتجاذبها مشروعان خارجيان رئيسان: الأمريكي والإيراني، ولكل منهما امتداداته السياسية والعسكرية والفكرية داخل العراق، عبر قوى ومراكز نفوذ تسعى إلى ترجيح كفة مشروعها، بما يجعل العراق جزءاً من صراع أوسع على موازين القوى في المنطقة.
وفي هذا السياق، ترى أوساط سياسية أن رئيس الوزراء الحالي بات يُنظر إليه بوصفه أقرب إلى المشروع الأمريكي، بعد الدعم الذي حظيت به حكومته، ولا سيما خلال زيارته إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس ترامب. وقد أثار ذلك قلق بعض القوى والفصائل الموالية لإيران، التي رأت فيه تحولاً في موازين النفوذ داخل العراق.
وازداد المشهد تعقيداً بتأثير التصعيد العسكري المتبادل، الذي بدأ بهجمات استهدفت مصالح اقتصادية في السعودية والكويت، أعقبها رد عسكري أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنه نُفذ بالتنسيق مع القوات المسلحة السعودية ضد مواقع للحشد الشعبي داخل العراق. ومهما تكن مبررات الأطراف، فإن تحويل العراق والمنطقة إلى ساحة لتبادل الضربات لا يخدم مصالح شعوبها، بل يهدد أمنها واستقرارها، فيما تكمن المصلحة الحقيقية في تجنيب المنطقة الحروب وتوجيه مواردها نحو التنمية.
وفي الداخل، برز الملف المعيشي مع تصاعد المخاوف من تأخر صرف الرواتب أو عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها. ومن شأن ذلك أن يهيئ الأرضية لاحتجاجات اجتماعية يقودها المتضررون من الأزمة، غير أنها قد تتحول أيضاً إلى ساحة للاستثمار السياسي من قبل بعض الكتل والفصائل المسلحة، ولا يُستبعد أن تسعى قوى متهمة بالفساد إلى توظيفها لحرف الأنظار عن مسار التحقيقات أو للضغط باتجاه إبطائها أو الحد من توسعها.
وفي قلب هذه التطورات يبرز سؤال الدولة: من يمسك فعلاً بقرار العراق؟ هل تمارس الحكومة، ممثلة بالقائد العام للقوات المسلحة، سلطتها الكاملة، ولا سيما بعد تركيز قيادة الأجهزة الأمنية في مكتبه؟ أم أن مراكز نفوذ سياسية ومسلحة ما زالت قادرة على فرض إيقاعها على القرار الوطني؟
ويتصل بهذا سؤال آخر يتعلق بحملة مكافحة الفساد: هل ستتوقف التحقيقات والاعتقالات عند ما بلغته، أم ستتوسع لتصل إلى الحيتان المتربعة على قمة العملية السياسية؟ وهل نحن أمام بداية مسار جديد، أم أمام سقف لن يتم تجاوزه؟
وهنا تبرز محاولة لإحياء معادلة قديمة، مفادها أن مكافحة الفساد ينبغي ألا تذهب بعيداً، لأن الوصول إلى الرؤوس الكبيرة قد يهدد الاستقرار ويقود إلى الفوضى. غير أن هذه المعادلة تتجاهل حقيقة أن الفساد نفسه كان أحد أهم أسباب إضعاف الدولة وتعميق أزماتها، وأن تقديمه ثمناً للاستقرار ليس سوى محاولة لإدامة منظومة قائمة.
وفي المحصلة، لا يواجه العراق تحدياً واحداً، بل صراع محاور إقليمياً، وأزمة معيشية، واختباراً لمستقبل حملة مكافحة الفساد، وسؤالاً مفتوحاً حول من يمتلك القرار النهائي في الدولة.
ولهذا، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة لن تجيب فقط عن سؤال مستقبل الحكومة، أو عن مسار التحقيقات، أو حجم الاحتجاجات، بل ستجيب عن سؤال أكبر: هل يتجه العراق نحو ترسيخ دولة تحتكر القرار وتُخضع الجميع لسيادة القانون؟ أم أنه سيبقى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الخارج، وتتنازعها مراكز القوى في الداخل، فيما يبقى المواطن العراقي هو من يدفع الثمن الأكبر؟