وهم يعربون عن سخطهم على ما يعيشونه من خراب، يصبّ البعض جام غضبه على النفط وما يسببه من أزمات، من دون أن يدرك أن المشكلة لا تكمن في هذه الثروة، بل في طبيعة العلاقات الرأسمالية الريعية التي لم تحقق الاستفادة من مداخيلها الهائلة في بناء قطاعات منتجة وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين فحسب، بل وأنتجت طغماً سياسية تتعارك للسيطرة على الموارد وتحديد القطاعات التي ينبغي أن تنمو وتلك التي يجب أن تُهمش، وأفضت إلى قيام اقتصاد ضعيف، وإنفاق ضخم، وقطاع خاص يتطفل على الدولة ليعيش.
وبغض النظر عن الذرائع التي تتمسك بها هذه الطغم لتبرير عراكها، مثل الدفاع عن مصالح المكونات، فإن حقيقة موقفها تكمن في سعيها إلى نهب أكبر حصة من الريع وتحويلها إلى ثروات خاصة، عبر الهيمنة على الدولة، باعتبارها البوابة التي تمر من خلالها ثروة النفط إلى اقتصاد البلاد. ولهذا، لا يمكن اعتبار المحاصصة التي تبنّتها هذه الطغم، نظاماً سياسياً لتوزيع المناصب بين الجماعات الطائفية والإثنية، وإنما آليات للسيطرة على مصادر الريع وسبل توزيعه، وإعادة إنتاج طبقة رأسمالية تعتمد، في تراكم ثرواتها، على المال العام.
كما لا يمكن اعتبار الفساد، المتمثل بدفع العمولات وتضخيم العقود والمحسوبية وتسريب المعلومات، مجرد انحراف أخلاقي، فهو آلية مرتبطة بالدولة الرأسمالية الريعية، حيث تتجلى القيمة الاقتصادية للسيطرة على قراراتها الإدارية في القدرة على تسهيل نهب جزء مهم من الريع، أي أن الفساد في هذه الدولة أداة لتحويل العلاقات السياسية إلى رأس مال متراكم، واستثمار بعضه في الزبائنية السياسية، بما يُبقي الفاسدين في السلطة رغم فشلهم.
ولا تنفصل قضية سعر العملة عن الاقتصاد الريعي ولا ينبغي التعامل معها بوصفها قراراً فنياً للبنك المركزي، بل باعتبارها عملية لنقل جزء من الثروة بصورة غير مباشرة إلى أصحاب الأصول والتجار والمتحوّطين مالياً. فالدخل الخارجي، الذي يُوزّع بالدينار، يأتي غالباً بالدولار، وتتولى الدولة إدارة العلاقة بين العملتين، مما يحوّل الدولار من مجرد وسيلة للدفع إلى مصدر للربح وأصل مالي مطلوب بشدة لاستيراد السلع وحماية الثروة الخاصة من تقلبات الدينار. وبالتالي، يستطيع من يملك الدولار الحفاظ على قيمة ثروته، أو إعادة تسعير إيجارات عقاراته، أو تعديل أسعار السلع التي يتاجر بها، مما يفضح البعد الطبقي لهذه اللعبة، إذ لا يستطيع العامل الأجير إعادة تسعير قوة عمله، لأن رفع الأسعار أسرع من تعديل الأجور. وتشتد قسوة هذه اللعبة في الدول المعتمدة على الاستيراد وذات القاعدة الإنتاجية الضعيفة كالعراق.
وكما أثبتت تجارب عالمية، عبثية الركون إلى مساحيق تجميل تخفي الوجه البشع للرأسمالية الريعية، فإن الباحثين عن تنويع الاقتصاد عبر الخصخصة وتقليص دور الدولة سيجدون أنفسهم في مأزق، لاسيما حين يتحول الريع من ملكية عامة سيئة الإدارة إلى ملكية خاصة أكثر تركيزاً، من دون بناء قاعدة إنتاجية، أو حين لا تشمل مصادر الربح، رغم تنوعها الكبير، القطاعات الإنتاجية. ولهذا، يصبح ضرورة وجودية، تشديد الكفاح من أجل تحويل هذه الثروة إلى تنمية اجتماعية قادرة على استيعاب قوة العمل وتوسيع الإنتاج، عبر استثمار جزء من الفائض النفطي في خلق تراكم اجتماعي منتج في الصناعة والزراعة والخدمات والنقل والكهرباء والتعليم والصحة والرقمنة.
ولا يُعدّ كثيرون متشائمين حين يرون أن تفكيك منظومة المحاصصة يستلزم تغيير بنية التراكم نفسها، القائمة على مصادرة الريع وقرار الدولة، وأن هذا التغيير لا يمكن تحقيقه عبر إصلاحات أدارية وسياسية واقتصادية فقط.