لم يعد تأثير ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي يقتصر على سوق العملة وعمليات الاستيراد، إنما تعدى ذلك إلى النشاط التجاري وأسعار البضائع والمنتجات، حتى المحلية منها، وبالتالي انعكس على قدرة المواطن الشرائية، في وقت تؤكد فيه أوساط تجارية وعمالية وجود تراجع واضح في حركة البيع والطلب، وسط مخاوف من اتساع دائرة الركود.
يأتي ذلك بعد ارتفاع سعر صرف الدولار إلى نحو 152 ألف دينار لكل 100 دولار، الأمر الذي دفع أسعار غالبية السلع والمواد الأساسية إلى ارتفاع غير مسبوق، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، لا سيما أصحاب الدخول المحدودة وعمال الأجر اليومي. ولا يدور الحديث اليوم حول السعر الرسمي المحدد حكوميا، إنما حول واقع مرير يفرضه منطق الأسواق الموازية التي قفز فيها الدولار ليتراوح بين 165 و170 ألف دينار لكل 100 دولار، الأمر الذي وجّه ضربة قاضية لقدرة المواطنين الشرائية، وحوّل الغلاء إلى قيد يطوق معيشتهم.
وانتهت هذه القفزة المفاجئة في سعر الصرف، إلى شلل شبه تام في قطاعات العمل الحرة ونشاط عمال الأجر اليومي. إذ أدت المخاوف من تطورات الأزمة إلى تراجع حاد في إقبال المواطنين على البناء والترميم، ما جمّد الحركة في ورش الحدادة والنجارة والصناعات الحرفية، لينعكس هذا الركود حرمانا مباشرا يهدد قوت ملايين الكادحين.
ووفقا لمراقبين، فإن موجة التضخم لم تستثن حتى المنتجات الزراعية المحلية التي لا ترتبط بالاستيراد كثيرا. حيث ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ في الأسواق، في الوقت الذي لا يزال فيه توزيع مفردات السلة الغذائية متذبذبا، الأمر الذي ضاعف العبء المعيشي على العائلات الفقيرة وذات الدخل المحدود.
وفي ظل هذا الخنق المعيشي، لا يبدو في الأفق الإداري أي توجه حكومي جاد لانتشال المواطن من براثن الأزمة وحمايته من تداعياتها. إذ يغيب تماما أي مسعى حقيقي لتنشيط الإنتاج المحلي، أو فك ارتهان الموازنة العامة بزنزانة الريع النفطي الذي بات البلد رهينة لتقلباته السياسية والدولية. وبحسب مراقبين، فإن هذا الخمول الرسمي تُرجم على الأرض عجزا فاضحا عن بسط السيطرة على حركة الأسواق المنفلتة، وتقاعسا عن مد شبكات أمان حقيقية تحمي الفئات الهشة والكسبة من أنياب الغلاء، في وقت تُرك فيه الشارع نهشا مستباحا لجشع بعض المضاربين والتجار الذين وجدوا في غياب الرقابة والمحاسبة فرصة مثالية لمضاعفة أرباحهم على حساب لقمة الفقراء.
قفزات جنونية في أسعار الغذاء
في شهادة حية تعكس واقع البيوت المسحوقة، يقول المواطن البغدادي أبو أحمد، وهو كاسب يعمل بالأجر اليومي، إن "الغلاء طال حتى المواد الأساسية المنتجة محليا، والتي لا ترتبط بالاستيراد. فعلى سبيل المثال، قفز سعر طبقة البيض في منطقتنا بشكل جنوني من 6 إلى 8 و9 آلاف دينار، فيما ارتفع سعر قنينة زيت الطعام من 2250 دينارا ليصل إلى 4 آلاف دينار".
ويشير في حديث صحفي، إلى ان "البعض يحاول تصوير الأزمة وكأنها وليدة اليوم بسبب قرار تعديل سعر الصرف، لكن الحقيقة أن بوادر هذا الاختناق المعيشي وشلل الأسواق ظهرت وتصاعدت في الأسواق قبل صدور قرار الدولار بشهور، وتحديدا مع اشتعال الأزمة الإقليمية وتأثر خطوط الإمداد والنقل".
حرمان من أغذية أساسية!
المواطن تحسين حمد، وهو رب أسرة من ستة أفراد، يكشف عن حجم المأساة المعيشية التي دفعت عائلته إلى حافة التقشف الحاد.
يقول في حديث صحفي: "لقد وجدنا أنفسنا مضطرين إلى حرمان أطفالنا من بعض المواد الغذائية الأساسية التي كنا نعتمد عليها يوميا، واللجوء إلى سياسة التقتير الشديد في الاستهلاك لمقاومة الغلاء".
ويضيف قائلا إن "المعادلة أصبحت مستحيلة. فالرواتب والأجور ثابتة، وأسعار العملة في السوق الموازية تقفز كل يوم، ولم يعد أمامنا خيار سوى شطب نصف احتياجاتنا المعيشية والاكتفاء بالحد الأدنى الذي يبقينا على قيد الحياة، وسط غياب تام لأي معالجة حقيقية ترحم حال العائلات المسحوقة".
أسعار الخضراوات تضاعفت
في سياق متصل، تؤكد المواطنة أم أكرم، أن الغلاء التهم كل السلع دون استثناء، مبيّنة في حديث صحفي أن "الأسعار تضاعفت بشكل لا يطاق. فقد قفز سعر كيلوغرام الطماطم إلى 1500 دينار بعد أن كان يتراوح بين 500 و750 دينارا، وارتفع سعر الخيار إلى 1000 وألف 1250 بعد أن كان بـ 750 دينارا، في حين وصل سعر كيلوغرام البطاطا إلى 1500 دينار، وحتى الفلفل والباذنجان والبصل ارتفعت اسعارها، وكل هذه الخضراوات تُنتج محليا".
وتضيف قائلة: "حتى الفواكه لم تسلم من الغلاء، محلية كانت أم مستوردة. إذ وصل سعر كيلوغرام الموز إلى 2500 دينار بعد أن كان يتراوح بين 1250 و1500 دينار، وارتفع سعر البرتقال والتفاح ومختلف أصناف الفواكه، بشكل جنوني".
وتتابع أم أكرم قائلة: "لم نعد نعرف كيف ندبر معيشة عائلاتنا في ظل أزمة الغلاء المريرة هذه".
شكاوى من ارتفاع أسعار اللحوم
سجلت أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك ارتفاعا ملحوظا منذ إعلان قرار زيادة سعر الصرف، وسط مخاوف من حرمان شرائح واسعة من المواطنين، من هذه المواد الغذائية الأساسية.
وبلغ سعر الكيلوغرام من لحم البقر في بعض مناطق بغداد، 22 ألف دينار، فيما ارتفع سعر لحم الغنم إلى 25 و26 ألف دينار للكيلوغرام الواحد – وفقا لما تداوله مواطنون على مواقع التواصل.
ولم يستثن غلاء اللحوم بقية المدن. حيث شكا مواطنون في البصرة وواسط وبابل وكربلاء والأنبار ونينوى من ارتفاع أسعار مختلف أصناف اللحوم، إضافة إلى بيض المائدة.
وبحسب ما نقلته وكالات أنباء عن مواطنين في كربلاء، فإن سعر طبقة البيض ارتفع إلى 7 و8 آلاف دينار، فيما تراوح سعر الكيلوغرام من لحم الغنم بين 24 و25 ألف دينار، وبلغ سعر لحم البقر 20 ألف دينار، بعد أن كان يتراوح بين 15 و16 ألفا.
العمال من أشد المتضررين
من جانبه، يقول رئيس اتحاد العاطلين عن العمل في العراق، رحيم الغانمي، أن "العمال، لا سيما أصحاب الأعمال الحرة، من أكثر الفئات تضررا من ارتفاع سعر الصرف، بسبب ثبات الأجر اليومي مقابل ارتفاع أسعار المواد والاحتياجات الأساسية".
ويضيف في حديث صحفي قوله، إن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية بات واضحا في الأسواق، وان استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى تراجع النشاط التجاري وتقلص فرص العمل"، محذراً من انعكاس ذلك على شريحة واسعة من العمال.
ويلفت الغانمي إلى أن نحو 4 ملايين عامل مسجلين ضمن شريحة العمال قد يتأثرون بتراجع النشاط الاقتصادي، مبيناً أن توقف بعض المعامل والمشاريع يعني بالنتيجة فقدان العمال مصادر دخلهم.
ويشير إلى أن "تراجع الإنتاج المحلي مقابل زيادة الاعتماد على الاستيراد قد يزيد من الضغوط على الصناعة والعمالة المحلية"، داعياً إلى اتخاذ إجراءات تُوازن بين السياسة المالية وحركة السوق وحماية أصحاب الدخول المحدودة.
تراجع حركة الشراء
عضو غرفة تجارة بغداد سرمد الكواز، يؤكد في حديث صحفي أن ارتفاع سعر الصرف انعكس على مختلف أنواع التجارة، موضحا أن الضرر لا يقتصر على التجار، إنما يمتد إلى الشركات والعاملين فيها والمستهلكين.
ويبيّن أن الأسواق ومراكز التسوق تشهد تراجعاً في حركة الشراء، نتيجة ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، مؤكداً أن زيادة تكاليف التجارة والإنتاج تنعكس في النهاية على أسعار المنتجات.
وتبدو آثار ارتفاع الدولار أكثر وضوحاً في الأسواق من خلال تراجع الإقبال على بعض السلع.
وفي هذا الصدد يقول صاحب محل لبيع الملابس في بغداد، أن حركة الشراء تراجعت كثيرا، وأن ارتفاع الأسعار دفع المواطنين إلى تقليل مشترياتهم والاكتفاء بالاحتياجات الضرورية.