اخر الاخبار

فيما يواجه الفلسطينيون المقيمون في العراق تحديات قانونية متراكمة منذ عقود، يثير قرار حكومي جديد مخاوف جدية من تفاقم أوضاعهم المعيشية، بعد اشتراط امتلاك البطاقة الوطنية الموحدة لإتمام التحديث الإلكتروني واستمرار صرف رواتب الرعاية الاجتماعية، مع ترجيحات بتوسيع الإجراء ليشمل رواتب الضمان الاجتماعي أيضاً.

قرار يحجب حقوقهم الأساسية

ويكمن جوهر الإشكال في أن شريحة واسعة من الفلسطينيين في العراق لا تملك أساساً حق الحصول على هذه البطاقة، ما يجعل القرار — وفق مختصين — يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً إلى كونه عائقاً مباشراً أمام وصولهم إلى حقوقهم الأساسية، ويضعهم أمام واقع قانوني وإداري لا ينسجم مع أوضاعهم الفعلية كمقيمين منذ عام 1948.

وبينما تتصاعد التحذيرات من تداعيات هذا التوجه، يبرز تساؤل جوهري حول مدى عدالة ربط الاستحقاقات المعيشية بوثيقة لا يمكن لفئة كاملة الحصول عليها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع دائرة التهميش وإضعاف الحماية الاجتماعية لهذه الشريحة.

وتدعو جهات حقوقية الى مراجعة هذه الإجراءات بما يضمن عدم تحويلها إلى وسيلة إقصاء غير مباشر، والعمل على إيجاد حلول إنسانية وقانونية تكفل صون الحقوق الأساسية للفلسطينيين في العراق بعيداً عن التعقيدات الإدارية القائمة.

"معضلة التجنيس"

يشار إلى أن الوضع القانوني للفلسطينيين في الدول العربية يصنف كواحد من أكثر الملفات تعقيداً، حيث يخضع لمنظومة من القرارات السياسية التي تهدف - في ظاهرها - لحماية الهوية الوطنية للفلسطينيين، بينما تفرز واقعاً إنسانياً صعباً.

وتستند الحكومات العربية في حجب الجنسية إلى قرار جامعة الدول العربية رقم 1547 (عام 1959)، الذي يحظر التجنيس الجماعي للفلسطينيين. وتبرر الجامعة هذا الموقف بضرورة مواجهة "مشاريع التوطين" الإسرائيلية، وضمان عدم سقوط "حق العودة" بموجب القانون الدولي، الذي قد يعتبر المجنسين مواطنين مستقرين في بلاد بديلة.

لكن بروتوكول الدار البيضاء (1965) يعد الوثيقة الرسمية التي حاولت موازنة المعادلة؛ حيث نصت على منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية كاملة (العمل، التنقل، والإقامة) مع الاحتفاظ بالهوية الفلسطينية حصراً. ومع ذلك، تعثر تنفيذ هذا البروتوكول في دول عديدة، مما خلق فجوات قانونية للسكان.

جرحى غزة في بغداد

في ايار 2024، استقبلت بغداد أولى دفعات جرحى غزة بترحيب رسمي وشعبي كبير، حيث فُتحت أبواب "مدينة الطب" كصرح علاجي يقدم الخدمة لمن تقطعت بهم السبل في القطاع المنكوب. لكن مع حلول عام 2026، تحول هذا الأمل لدى عشرات العائلات إلى صرخة استغاثة تطالب بالحرية قبل الشفاء.

وكشفت تحقيقات صحفية، قبل شهرين من العام الحالي، عن واقع صادم يعيشه نحو 46 جريحاً ومرافقاً فلسطينياً داخل مجمع مدينة الطب. ورغم تعافي الكثير منهم سريرياً، إلا أنهم يواجهون تقييد الحركة؛ حيث يُمنع الجرحى ومرافقوهم من مغادرة المجمع الطبي أو العيش خارجه، وتُفرض عليهم موافقات أمنية معقدة حتى للحركة البسيطة، ما ولد شعوراً بالاحتجاز القسري.

وأكدت شهادات العائلات سحب جوازات سفرهم وأوراقهم الثبوتية فور وصولهم، وسط تضارب في المعلومات حول الجهة التي تحتفظ بها.

"لسنا عراقيين ولا اجانب"

من جهته، قال المحامي الفلسطيني أحمد زيدان إن الفلسطينيين المقيمين في العراق جرى استقدامهم عام 1948 من قبل وزارة الدفاع العراقية بناءً على طلب رسمي، قادمين من مدينة حيفا، على أساس الإقامة المؤقتة التي كان يفترض أن تنتهي بعودتهم، إلا أنهم استقروا في العراق واستمر وجودهم حتى اليوم.

واضاف زيدان في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الفلسطينيين في العراق كانوا يُعاملون لعقود معاملة العراقيين جملة وتفصيلاً، عدا بعض الاستثناءات المرتبطة بالجنسية وخدمة العلم، مشيراً إلى أن هذا الوضع استمر حتى عام 2017، حين تم إلغاء القرار الذي كان ينظم مساواتهم بالعراقيين، الأمر الذي أدى إلى فراغ قانوني وضع الفلسطينيين خارج التصنيف الواضح: “ليسوا عراقيين ولا أجانب وفق الأطر التقليدية”.

وزاد أن هذا التغيير انعكس سلباً على أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، خصوصاً في ملفات الضمان الاجتماعي والحقوق التقاعدية، حيث تم التعامل معهم كأجانب، ما يفرض عليهم رسومًا مرتفعة وإجراءات مالية مرهقة مقارنة بالعراقيين، في وقت لا تتناسب فيه هذه التكاليف مع دخولهم المحدودة.

وأشار زيدان إلى حالات إنسانية متضررة، من بينها عوائل لنساء مسنات فقدن حقوق التقاعد بعد وفاة أزواجهن، رغم خدمتهم الطويلة في مؤسسات الدولة العراقية، لافتاً إلى أن بعض المستفيدات تجاوزن الثمانين عاماً ويعشن ظروفاً معيشية صعبة بعد قطع الرواتب التقاعدية.

وبيّن أن الإشكال لا يقتصر على الضمان الاجتماعي، بل يمتد إلى قطاعات التعليم والإقامة والوثائق الرسمية، حيث يواجه الطلبة الفلسطينيون صعوبات تتعلق بمتطلبات الهوية والإجراءات الإدارية، ما يفاقم من تعقيد أوضاعهم اليومية.

تراجع اعدادهم

وكشف زيدان أن أعداد الفلسطينيين في العراق تراجعت بشكل كبير، من نحو 40 ألفاً في فترات سابقة إلى ما يقارب 5 آلاف فقط حالياً، نتيجة الظروف القانونية والمعيشية المتراكمة.

كما أشار إلى وجود محاولات تشريعية داخل البرلمان العراقي خلال دورات سابقة (2018 و2021) لإعادة تنظيم وضع الفلسطينيين وتعديل القوانين ذات الصلة، إلا أن هذه الجهود لم تُستكمل حتى الآن وبقيت دون حسم نهائي.

وختم زيدان بالتأكيد على أن الوضع القانوني الحالي للفلسطينيين في العراق لا يزال “معلقاً وغير واضح”، داعياً إلى حسم تشريعي يعيد تنظيم حقوقهم بما ينسجم مع وجودهم التاريخي في البلاد ويخفف من تداعيات القرارات السابقة عليهم.

محرومون من الخدمات الاساسية

من جهتها، أعربت رئيسة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في العراق، عبير خليفة، عن استيائها من القرارات الأخيرة، بعد قرارات سابقة تصنفهم  ضمن فئة الأجانب في الإجراءات الرسمية، مؤكدة أن ذلك لا يعكس طبيعة وجودهم التاريخي في العراق.

وقالت خليفة لـ"طريق الشعب"، إن الفلسطينيين المقيمين في العراق منذ عام 1948 يعيشون في البلاد منذ عقود، وقد اندمجوا في المجتمع العراقي واصبحوا جزءً من نسيجه ودرسوا في جامعاته وعملوا في مؤسساته، لافتة إلى أن الكثير منهم أصبحوا موظفين ومتقاعدين ولديهم عوائل مستقرة داخل العراق.

وأضافت أن “التعامل معهم كأجانب يخلق إشكالات قانونية وإنسانية، خصوصاً في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي والحقوق التقاعدية”، موضحة أن هناك حالات يُحرم فيها ذوو المتقاعد الفلسطيني من بعض الامتيازات مقارنة بغيرهم.

وأشارت إلى أنها فوجئت مثلاً مطلع عام 2024 بتطبيق إجراءات تتعلق بالضمان الاجتماعي تُلزم العاملين الفلسطينيين بمعاملة تختلف عن نظرائهم العراقيين، بما في ذلك رسوم وإجراءات تجديد سنوية مرتفعة، فضلاً عن نسب اشتراكات أعلى.

وأكدت خليفة أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني التي تترأسها تضم موظفين عراقيين وفلسطينيين يعملون منذ سنوات طويلة ضمن النظام الإداري نفسه، معتبرة أن هذه القرارات تضعهم أمام تحديات إضافية غير مبررة.

"نحن ابناء هذا البلد"

وبيّنت أنها راجعت الجهات المعنية، بما فيها مسؤولون في وزارة العمل والضمان الاجتماعي، حيث تم إبلاغها بأن الإجراءات الحالية تستند إلى قرار يقضي بمعاملة غير الحاصلين على الجنسية العراقية معاملة الأجانب، مشددة على أن الفلسطينيين في العراق ليسوا وافدين جدد بل هم ابناء لهذا البلد.

ودعت خليفة إلى إعادة النظر في كل هذه القرارات من خلال القنوات التشريعية والحكومية، مشيرة إلى أهمية التنسيق مع السفارة الفلسطينية في بغداد لإيجاد حلول عادلة ومنصفة.

وتأمل خليفة في ختام حديثها، تعديل القوانين بما يضمن حقوقهم ويخفف من المعاناة التي تواجههم، خاصة في مجالات الخدمات الاساسية والضمان، مؤكدة انهم سيقودون حراكاً للحوار مع مختلف الاطراف بضمنها حكومة المكلف علي الزيدي من اجل انصافهم.