اخر الاخبار

يتصاعد الجدل لدى الأوساط الحقوقية بشأن ظاهرة العنف الأسري في العراق، بين من يربطها بالبنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة، ومن يعزوها إلى عوامل ثقافية وأخلاقية وأمنية متشابكة، وسط تأكيدات على أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة.

الخطاب الثقافي يعيد إنتاج العنف

تقول الناشطة النسوية ايات توفيق، أن العنف الأسري لا يمكن فصله عن البنية العامة للمجتمع، بل هو انعكاس مباشر للتفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وليس حالة استثنائية أو طارئة.

وتضيف توفيق لـ"طريق الشعب"، أن الأسرة تمثل النواة الأساسية للدولة، وبالتالي فهي تتأثر بشكل مباشر بكل التحولات التي تطرأ على المنظومة العامة.

وتشير الى أن العنف داخل الأسرة يتجلى أيضاً عبر البعد الاقتصادي، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الموارد المالية وتحديد أولويات الإنفاق داخل البيت، مشيرة إلى أن الفقر غالباً ما يكون عاملاً مضاعفاً للعنف، إذ يقترن بارتفاع حالات زواج القاصرات وأشكال أخرى من الاستغلال غير المعلن.

وتجد أن الخطاب الثقافي والإعلامي يلعب دوراً في إعادة إنتاج العنف أو تطبيعه، لافتة إلى أن بعض الأعمال الدرامية قد تساهم في تقديم العنف كأمر اعتيادي أو حتى ترفيهي، ما ينعكس على طريقة تلقي المجتمع لهذه الظواهر.

أما على المستوى السياسي، فتؤكد توفيق أن العنف يتغلغل في بنية السلطة وآليات اتخاذ القرار، حيث تؤدي ممارسات الإقصاء وضعف تمثيل النساء إلى إعادة إنتاج خطاب يقلل من قدرات المرأة ويحد من حضور قضاياها، مما يضعف من أولوية ملف العنف الأسري ضمن الأجندة السياسية.

وترى توفيق أن الاقتصاد يشكل في الوقت نفسه جوهر المشكلة ومفتاح الحل؛ إذ يمكن أن يكون أداة لتعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص والأجور، بما في ذلك داخل الأسرة، وهو ما من شأنه تقليص دوافع العنف الأسري. في المقابل، قد يتحول الاقتصاد ذاته إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز وتعميق الفجوات الاجتماعية إذا ما تم توظيفه بطريقة حصرية وغير عادلة

وعي النساء قوّض الظاهرة

من جهتها، تعتقد منار عبد المطلب عضو لجنة حقوق الإنسان النيابية السابقة، أن "العنف الأسري يأخذ أبعادا وصورا متعددة، وبالتالي فإن ما ترصده مراكز الشرطة من بلاغات، والتي تصل سنوياً إلى آلاف الحالات، يبقى أقل بكثير من الواقع الفعلي، وربما بنسبة تصل إلى 60 في المائة

وأضافت أن "البعد الاجتماعي يلعب دوراً كبيراً في عدم تسجيل الكثير من حالات العنف، إذ تُحل العديد من المشاكل عبر تدخل الأقارب أو الأصدقاء، أو يعزف من يتعرضون للعنف، لاسيما الزوجات والأبناء، عن الإفصاح أو تقديم بلاغات رسمية، ما يجعل الأرقام المدونة أقل من الحقيقة".

وأكدت عبد المطلب أن "معدلات العنف الأسري في المدن أعلى بكثير مقارنة بالمناطق الريفية"، مشيرة إلى أن "تزايد وعي المجتمع، ولاسيما النساء، بحقوقهن، شجع الكثيرات على إدراك إمكانية اللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى في حال التعرض لأذى جسدي أو نفسي".

المخدرات.. ابرز الأسباب

فيما تقول إلهام قدوري، ناشطة مدنية، ومعنية بحقوق النساء، إن تصاعد حالات العنف الأسري في المجتمع يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة وما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية ومعيشية تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار داخل الأسرة.

وتضيف قدوري لـ"طريق الشعب"، إن من بين الأسباب أيضاً تفشي الجهل وضعف الوعي الثقافي والاجتماعي، إلى جانب تراجع بعض القيم والضوابط السلوكية، معتبرة أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في خلق بيئة أكثر قابلية لحدوث العنف داخل الأسرة.

وتشير كذلك إلى انتشار أنواع مختلفة من المخدرات في المجتمع، وما تسببه من تأثيرات على سلوك الأفراد، خصوصاً فئة الشباب، الأمر الذي ينعكس بدوره على ارتفاع مستويات العنف داخل البيوت.

وفي سياق حديثها، تربط قدوري بين بعض التحولات الاجتماعية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية وبين ما تصفه بتراجع المنظومة القيمية، معتبرة أن ذلك أسهم في زيادة مظاهر التفكك الأسري واتساع رقعة العنف.

أما في ما يتعلق بعدم ظهور الأعداد الحقيقية لحالات العنف الأسري، فترى أن ذلك يعود بالدرجة الأساس إلى ضعف مؤسسات الدولة وسوء التخطيط والإدارة، معتبرة أن غياب البيانات الدقيقة يعكس خللاً مؤسسياً ويشكل مؤشراً سلبياً خطيراً على مستوى التعامل مع هذه الظاهرة.

التشريعات لا تردع

اما الحقوقية نورس شاكر، فتقول إن التشريعات الحالية في العراق المتعلقة بالعنف الأسري لا تزال غير كافية بالشكل الذي يضمن حماية حقيقية وفعّالة للضحايا، رغم وجود بعض النصوص القانونية التي تمثل خطوات إيجابية.

وتضيف أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب قانون خاص وشامل للعنف الأسري يعرّف الجريمة بشكل دقيق ويضع آليات حماية عاجلة، إلى جانب ضعف تطبيق القوانين القائمة على أرض الواقع، ما يؤدي إلى استمرار وجود فجوات في الوصول إلى العدالة.

وفي ما يتعلق بدور المؤسسات الحكومية، تشير شاكر في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن منظومة الرصد والتوثيق ما تزال تعاني من ضعف واضح  نتيجة نقص الإمكانيات وعدم وجود تنسيق فعال بين الجهات ذات العلاقة، فضلا عن الحساسية الاجتماعية التي تحيط بملف العنف الأسري.

وتعتقد أن غياب قاعدة بيانات موحدة وشفافة يسهم في عدم دقة الأرقام المتداولة الأمر الذي ينعكس سلباً على قدرة الجهات المعنية في وضع سياسات واقعية لمعالجة الظاهرة.

أما بشأن أولويات المعالجة، فتؤكد شاكر أن الحد من العنف الأسري يتطلب مسارين متوازيين، أحدهما قانوني والاخر مجتمعي، غير أنها تميل إلى أن التغيير القانوني يمثل المدخل الأساسي لأنه يوفر الحماية ويحقق الردع  في حين يعد التغيير الثقافي والمجتمعي عاملا مكملًا لضمان استدامة أي تقدم في هذا الملف، معتبرة أن غياب أحد المسارين يضعف فاعلية الآخر.