يشهد القطاع الرياضي في العراق توسعاً متزايداً في المشاريع الاستثمارية، إلا أن هذا التوسع يترافق مع تراجع واضح في عدد الملاعب والمرافق الرياضية المجانية التي كانت تستقطب الشباب في الأحياء الشعبية. ومع تحول العديد من هذه المساحات إلى منشآت مدفوعة، تتزايد شكاوى الشباب وذوي الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة من صعوبة الوصول إلى أماكن ممارسة الرياضة، وسط مطالبات بتوفير منشآت عامة تضمن حق الجميع في النشاط الرياضي.
الساحات الرياضية تحولت الى مشاريع استثمارية
يقول محمد عمار وهو احد رواد الملاعب الشعبية لـ"طريق الشعب"، أن الملاعب التي كانت تمثل متنفساً أساسياً لشباب المناطق الشعبية تحولت إلى مشاريع استثمارية، الأمر الذي حدّ من إمكانية وصول الجميع إليها، مبيناً أن أسعار الحجوز تتراوح بحسب الملاعب بين 20 إلى 30 ألف دينار لكل مباراة، مع تسجيل ما يقارب 3 إلى 5 مباريات يومياً على الملعب الواحد. ويضيف عمار أن هذا التحول انعكس بشكل مباشر على الحركة الرياضية في الأحياء، حيث كانت تشهد سابقاً نشاطاً كبيراً وإقبالاً واسعاً من الشباب، إلا أن هذا الزخم تراجع خلال السنوات الأخيرة نتيجة تقلص هذه المساحات واختفائها تدريجياً، رغم وجود رغبة مستمرة لدى شريحة واسعة من الشباب في اللعب واكتشاف المواهب. ويشير أن هذا الفراغ قاد إلى انشاء قاعات رياضية حديثة، بعضها مخصص للأنشطة الإلكترونية أو الألعاب الترفيهية، إلا أن أسعارها ليست بسيطة وتشكل عبئاً مالياً على الشباب والأطفال، ما جعل الاستفادة منها محدودة. كما يشير إلى أن هذه القاعات والملاعب غالباً ما تكون موجهة للذكور، ما يؤدي إلى حرمان الفتيات من ارتيادها أو المشاركة في أنشطتها، كونها لا توفر بيئة مناسبة أو مخصصة لهن، وهو ما يفاقم من محدودية وصول الفتيات إلى فضاءات رياضية وترفيهية آمنة ومفتوحة.
.. وحتى مراكز الشبات والمنتديات
من جانبه، يرى مدير مدرسة جمولي الكروية، الكابتن كريم العراقي، أن التوجه الاستثماري الذي تتبناه الدولة في إدارة الأراضي والمنشآت الرياضية أدى إلى تقلص المساحات المخصصة للشباب، وحوّل الرياضة من حق اجتماعي إلى خدمة لا يستطيع الوصول إليها إلا من يملك القدرة على الدفع.
ويقول كريم لـ"طريق الشعب"، إن معظم الأراضي التي كان يمكن أن تتحول إلى ملاعب ومنشآت تخدم المجتمع جرى توزيعها للاستثمار، معتبراً أن غياب التخطيط القريب والبعيد المدى حال دون تطوير قطاع الرياضة بما يلبي احتياجات الشباب ويحتضن مواهبهم.
ولا يقتصر الأمر، بحسب كريم، على الملاعب، بل امتد إلى مراكز الشباب التي كانت تشكل فضاء لاحتضان الطاقات الرياضية والفنية والاجتماعية. ويوضح أن تلك المراكز أسهمت سابقا في صقل مواهب العديد من الرياضيين والفنانين، وكانت تضم أقساماً متخصصة بالرياضة والأنشطة الثقافية والاجتماعية، إلا أن معظمها تحول إلى مشاريع استثمارية، ما أدى إلى تراجع دورها المجتمعي.
ويشير إلى أن ما تبقى اليوم يقتصر على ملاعب صغيرة ومدارس كروية محدودة العدد تقدم خدمات مجانية، بينما تعتمد غالبية الأكاديميات والملاعب الخاصة على نظام الاشتراكات المدفوعة، الأمر الذي يضع الأطفال من الأسر محدودة الدخل أمام عائق مالي يحرمهم من ممارسة هواياتهم.
الفقراء بلا ملاعب
ويتساءل العراقي: "إذا كان الطفل يحتاج إلى دفع المال لممارسة كرة القدم، فأين يذهب الفقير؟"، مؤكداً أن الرياضة ينبغي أن تكون متاحة لجميع الأطفال والشباب بغض النظر عن أوضاعهم الاقتصادية، وأن مسؤولية توفير هذه المساحات تقع على عاتق الدولة.
ويضيف أن الاستثمار لا يجب أن يكون على حساب الدور الاجتماعي للمنشآت الرياضية، مشيراً إلى أن حتى الدول ذات الاقتصادات الرأسمالية توفر مرافق عامة برسوم رمزية تتيح لجميع المواطنين الاستفادة منها.
ويدعو كريم وزارة الشباب والرياضة والجهات المعنية إلى تبني خطة جادة لإنشاء مراكز شبابية ومنشآت رياضية في المدن والأقضية والنواحي والقرى، بهدف احتضان الطاقات الشابة وتوفير بيئة مناسبة لممارسة الرياضة وتنمية القدرات البدنية والفكرية.
ويختتم بالتأكيد أن الاستثمار في الشباب والرياضة يمثل استثماراً في المجتمع نفسه، وأن توفير فضاءات رياضية مجانية أو منخفضة الكلفة سينعكس إيجاباً على بناء مجتمع أكثر تماسكاً وصحة، ويسهم في اكتشاف المواهب وتعزيز التنمية الوطنية.
معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة
ويتحدث الناشط حسين المعموري، وهو عضو في فريق خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، عن التحديات التي تواجه هذه الشريحة في الوصول إلى المساحات الرياضية، موضحاً أن أغلب أماكن اللعب إما غير متوفرة أساساً، أو غير مهيأة لتناسب احتياجاتهم الجسدية والحركية، ما يجعل ممارسة الرياضة أمراً محدوداً وصعب المنال بالنسبة لهم.
ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا تتوقف عند ضعف البنية التحتية فقط، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار القاعات وصالات الرياضة الخاصة التي بدأت تنتشر بشكل واسع، والتي لا تتناسب مع القدرة المعيشية لشريحة كبيرة من الشباب، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود وذوي الهمم، ما جعل الوصول إلى الرياضة الترفيهية أو التدريبية محصوراً بفئة معينة.
ويشير إلى أن العديد من ذوي الاحتياجات الخاصة يمتلكون مواهب رياضية حقيقية وقدرات لافتة يمكن أن تؤهلهم للتميز والمشاركة في بطولات محلية ودولية، إلا أنهم بحاجة إلى دعم حقيقي ورعاية مستمرة وبيئة رياضية دامجة تساعدهم على تطوير مهاراتهم واستثمار طاقاتهم بالشكل الصحيح.
كما يلفت إلى أن عدداً كبيراً من الملاعب الشعبية في الأحياء بدأت تختفي تدريجياً أو تتحول إلى مشاريع استثمارية وقاعات خاصة، ما أدى إلى تقليص المساحات المجانية التي كانت متنفساً أساسياً للشباب، وخلق فجوة أكبر في الوصول إلى الرياضة، خصوصاً للفئات غير القادرة على تحمل الكلف.
ويشدد على أن غياب التخطيط الشامل للمرافق الرياضية أدى إلى فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية لهذه الفئات وبين ما هو متاح على أرض الواقع، داعياً إلى ضرورة إنشاء مساحات رياضية مهيأة ومجانية أو منخفضة الكلفة تضمن دمج ذوي الهمم وتمكينهم من ممارسة الرياضة بشكل طبيعي وآمن.