تواجه محافظة ذي قار تصاعدا ملحوظا في معدلات البطالة، في ظل توقف غالبية المشاريع الحكومية والاستثمارية بسبب الأزمة المالية، وتراجع النشاط الاقتصادي والسياحي الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على فرص العمل ولا سيما بين الشباب.
وبينما تحذر الجهات المحلية ومقاولون من اتساع رقعة التعطل وتراكم المستحقات المالية، يؤكد مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة تشغيل المشاريع المتوقفة، وتنشيط الاستثمار ودعم القطاع الخاص بوصفه المسار الأهم لخلق فرص عمل مستدامة والحد من تفاقم البطالة.
800 مشروع متوقف
من جهته، أكد عضو مجلس محافظة ذي قار وامين شؤون المجلس احمد سليم، أن المحافظة تشهد ارتفاعا كبيرا في معدلات البطالة، في ظل توقف مئات المشاريع الاستثمارية والخدمية، إلى جانب تراجع النشاط السياحي الذي كان يشكل مصدر رزق لعدد كبير من السكان.
وقال سليم لـ"طريق الشعب"، إن محافظة ذي قار تُعد رابع أكبر محافظة من حيث عدد السكان، إذ يتراوح عدد سكانها بين مليونين و800 ألف إلى ثلاثة ملايين نسمة، مشيرا إلى أن نسبة الشباب في المحافظة تبلغ نحو 55 في المائة، ما يجعلها تمتلك طاقة شبابية كبيرة تحتاج إلى فرص عمل تتناسب مع حجمها.
واضاف أن فرص العمل الحالية في المحافظة لا تنسجم مع هذا الزخم السكاني، ولا سيما بعد توقف المشاريع والأزمة المالية التي تمر بها البلاد، لافتا إلى وجود أكثر من 700 إلى 800 مشروع متوقف بشكل تام في ذي قار، فيما وصلت نسبة المشاريع المتوقفة إلى ما بين 90 و95 في المائة، بسبب شح السيولة والأزمة المالية.
القطاع السياحي مشلول
وبين سليم أن هذه المشاريع كانت في السابق تسهم في امتصاص جزء كبير من البطالة وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، إلا أن توقفها الكامل خلّف آثارًا سلبية مباشرة على سوق العمل في المحافظة، وزاد من حجم البطالة بشكل ملحوظ.
وزاد أن القطاع السياحي في ذي قار يعاني هو الآخر من التراجع، رغم ما تمتلكه المحافظة من مواقع سياحية مهمة، وعلى رأسها مناطق الأهوار في الجبايش، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف يؤدي إلى توقف الحركة السياحية، في حين تنشط عادة خلال فصل الشتاء.
وأشار إلى أن عددا من أهالي المناطق السياحية يعتمدون في معيشتهم على النشاط السياحي، سواء من خلال تشغيل الزوارق والسفن أو بيع المنتجات والمواد اليدوية للسياح القادمين من داخل العراق وخارجه، إلا أن تراجع هذا النشاط انعكس سلبًا على مصادر دخلهم.
وفي ما يتعلق بمعالجة أزمة البطالة، أوضح سليم أن الحكومة المحلية في ذي قار تعمل على أكثر من مسار، من بينها السعي إلى إعادة بعض المشاريع المتوقفة إلى العمل من أجل امتصاص البطالة، إلى جانب المطالبة بمعالجة ملف الخريجين الذين يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على وظائف.
ودعا الحكومة المركزية إلى إعادة النظر في بعض القرارات المتعلقة بالتعيينات، والعمل على توفير فرص وظيفية للخريجين، ولا سيما حملة الشهادات العليا، بما يسهم في الحد من البطالة وتخفيف الضغط عن شريحة الشباب في المحافظة.
توقف التمويل
وبالحديث عن المشاريع المتوقفة في المحافظة، قال رئيس اتحاد المقاولين في ذي قار، علي الجابري، إن الأزمة المالية وتأخر الحكومة المحلية في صرف مستحقات المقاولين أديا إلى توقف معظم شركات القطاع الخاص العاملة في تنفيذ المشاريع الحكومية داخل المحافظة.
وأوضح الجابري في حديث لـ "طريق الشعب"، ان نسبة التوقف بلغت نحو 95 في المائة، مبيناً أن عدد الشركات التي ما زالت تواصل العمل لا يتجاوز 10 شركات من أصل أكثر من 200 شركة كانت تنفذ مشاريع حكومية خلال السنوات الماضية.
وذكر أن المبالغ المستحقة بذمة الحكومة المحلية للمقاولين تقدر بنحو 14 مليار دينار عن مشاريع منجزة ضمن الخطط المحلية، مشيراً إلى أن هذا الرقم لا يشمل مستحقات المشاريع التابعة لصندوق إعمار ذي قار المرتبط بالأمانة العامة لمجلس الوزراء.
وبين ان طلبات صرف السلف الخاصة بهذه المستحقات روجت منذ فترة طويلة من دون حسم، مرجحا ارتفاع حجم الديون خلال الأيام المقبلة إلى نحو 150 مليار دينار.
ورأى الجابري أن الإجراءات الحكومية الخاصة بإطلاق المستحقات ما تزال «وعوداً غير مضمونة»، مؤكداً أن استمرار التأخير تسبب في شلل شبه تام بحركة المشاريع الحكومية، الأمر الذي انعكس سلباً على أكثر من 30 ألف عامل في القطاعات الإنشائية المرتبطة بهذه المشاريع.
وأشار إلى أن توقف المشاريع لم يؤثر على المقاولين والعاملين فقط، بل امتد إلى مستوى الخدمات العامة، إذ تعرضت العديد من المشاريع المنجزة جزئيا إلى أضرار واندثار بسبب التوقف الطويل، ما يحمل الدولة كلفا إضافية مستقبلاً.
وأضاف أن أعمال الحفريات المتروكة في مشاريع المجاري والماء والكهرباء وغيرها باتت تعيق حركة المواطنين وتشكل عبئاً خدمياً متزايداً داخل المحافظة.
محدودية المشاريع الإنتاجية
أما الصحافي والناشط المدني علي عودة السهلاني، فقد قال إن "محافظة ذي قار تمتلك طاقات بشرية كبيرة، إذ يشكل الشباب النسبة الأكبر من سكانها، إلا أنهم يواجهون تحديات متزايدة في الحصول على فرص عمل مستقرة، ما جعل البطالة واحدة من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها المحافظة".
وأوضح عودة لـ"طريق الشعب"، أن ارتفاع معدلات البطالة يعود إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها محدودية نشاط القطاع الخاص، وضعف الاستثمارات، واعتماد شريحة واسعة من المواطنين على الوظائف الحكومية باعتبارها الخيار الأكثر استقرارا، فضلا عن عدم قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.
وأضاف أن من أبرز التحديات التي تواجه الشباب في ذي قار تتعلق بارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، وعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب محدودية المشاريع الإنتاجية والصناعية القادرة على استيعاب الأيدي العاملة.
وأشار إلى أن ضعف البنية التحتية الاقتصادية، وقلة التمويل المخصص للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، يقللان من فرص تأسيس مشاريع جديدة قادرة على توفير وظائف مستدامة.
وأكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب اعتماد خطط تنموية مستدامة تركز على خلق فرص عمل حقيقية وتنويع مصادر الدخل، من خلال تشجيع الاستثمار في القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية التي تمتلك فيها ذي قار إمكانات كبيرة، فضلاً عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر توفير القروض الميسرة، وبرامج التدريب، والاستشارات الفنية.
وأشار عودة إلى أن تطوير مهارات الشباب في مجالات التكنولوجيا، والتحول الرقمي، وريادة الأعمال، تمثل أولوية لتعزيز قدرتهم على المنافسة في سوق العمل المحلي والعالمي، مبينًا أن تعزيز الشراكة بين الجامعات والمعاهد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص من شأنه مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، بما يسهم في خفض معدلات البطالة ورفع الإنتاجية.