خصية (جان باتيست غرنوي) بطل رواية (العطر) البديعة للروائي الألماني (باتريك زوسكيند) الصادرة عام 1985، شخصية متخيّلة، مخترعة، ولا يمكن أن تكون حقيقية على الاطلاق، بالرغم من أنها عاشت بيننا، وما كساها مؤلفها إلا لحماً ودماً وموقفا، فصرنا لا ننساها أبداً، لأنها شخصية سردية فاعلة، وخارقة قد أسبغ عليها المؤلف أوصافا لا يمكن أن تنطبق على إنسان، (وإذا كان اسمه اليوم قد طواه النسيان، على نقيض أسماء نوابغ آخرين، مثل “دوساد”، “سانت جوست”، “فوشيه”، أو “بونابرت”)، لأجل أن تبقى تعيش بيننا تتحدى النسيان، وتتحول إلى كائن عاش على هذه الأرض وترك أرثا عظيماً، بأفعاله، كما أي شخص حقيقي قد ولد ومن بعد حياة حافلة وقد مات. (أنا الوحيد الذي أدرك مدى جماله الحقيقي، لأنني أنا من أبدعه- الرواية) شخصية بقيت تثير الإعجاب، وتمضي بقارئها كأنها تأخذه مسحورا، وبقيت كشخصية روائية مكتسية بثقافة المؤلّف الذي ولد عام 1949، حيث بدأ موسيقيا فاشلا، وأصبح فيما بعد صحافيا ناجحا، درس التاريخ في جامعة ميونخ 1968-1974، كتب مسرحية (عازف الكونترباس) مونودراما في فصل واحد في عام 1981 اصدر رواية “العطر” عام 1985، وفاز عام 1987 بجائزة غوتنبرغ، (يعيش حاليا في باريس متفرغا لكتابة السيناريوهات السينمية)، و (العطر) رواية مشوقة لا يمكن لقارئ ما تركها، أو نسيانها، واغلب أحداثها تحلل الطبيعة البشرية بكل تفصيل، كونها تمتاز بخصائص سردية مثيرة، والمؤلف عاد بها إلى تاريخ 17-7 -1738، يوم مولد بطلها صاحب الأنف الأسطوري بتحسسه للروائح (غرنوي) في مزبلة نتنة، من أزقة باريس الخلفية، (في أكثر أماكن المملكة بأسرها زخماً بالروائح- الرواية- ص 7)، وُلد من أم عاملة (صبية في منتصف العشرينيات من عمرها، والتي مازال جمالها باديا- الرواية)، وقد تركت أخوته (كما فعلت في الحالات الأربع السابقات ) من دون رجعة تحت طاولة تنظيف السمك، امرأة في فقر مدقع، بائسة، تعمل في شارع قذر، حيث تعمل على تنظيف فضلات السمك، وكان في نيتها أن تتركه هناك مع الفضلات كي يموت، ويُلقى في النهر مع النفايات. أدى ذلك إلى افتضاح أمرها، ساقها إلى المحكمة، ثم الإعدام تحت المقصلة. أما الطفل المسخ (كان قبيحا، ولكن ليس إلى درجة أن يرتعد الإنسان من بشاعته- الرواية )، تنقل بين المرضعات اللواتي كنّ يتركن دون أسف عليه لما يبثه فيهن من شعور بالتقزز لجشعه المفرط في رضع الحليب، فلم تقبل به إلا مرضعة بائسة، كانت لا تشم، ولا تشعر بما حولها، قبلت به انتحارا، وكل ذلك لا يضفي على الشخصية بأنها حقيقية، شخصية اجترحت بذكاء بالغ، شحّ نظيرها في الروايات العالمية، حيثُ أمضت الرواية في انف قارئها فعلا قرائياً، وليس عبر عينيه، فإطار الرواية التاريخية هو القرن الثامن عشر، ومساحتها الرئيسية هي الروائح بشكل عام والعطور بشكل خاص، معتمداً على مرجعية علمية متخصصة بصناعة العطور في ذلك الزمن، وتراكيبها، والمواد الأولية لها ومقادير الخلطات، وسارت الحكاية تجول في الطبيعة مقارنة بما يشمه الأنف من مزارع الزهور، وصارت درساً لجغرافية باريس البراقة، ومختلف المناطق الفرنسية التي سارت عليها أحداث روايته.‏ شخصية (غرنوي) منعزلة، مبدعة، متأملة، مكتشفة، ساعية إلى اكتشاف المجهول، ولكنها ليست غامضة إلى الحد الذي يتصوره العديد من النقاد فهي مثيرة للإعجاب، حيث يشدنا الراوي إليها منذ اللحظة الأولى، ويعطينا دفقا طيبا من المعلومات المتواصلة والمتجددة، من دون مقدمات في عالم العطور، والزهور، وكيفية تفكيك المزيجات، والعودة بها إلى أصولها، إضافة إلى كيفية استخلاص أذكاها، وخلطات عجيبة بعضها متوفر أن لم يكن هنا، فهو يوجد هناك، فالشخصيات والأحداث والأماكن والمشاعر والمواقف ترسمها روائحها، وكأنه لم يبق كتاب في زمانه عن العطور إلا واطلع عليه، ولم يكن قد ترك تركيبا لعطر ما، إلا والمؤلف قد جربه، عملا، أوشمّاً، (فلم يعد يشم الخشب فحسب، بل أنواع الخشب، كالإسفندين والبلوط والصنوبر والدردّار، والدرّاق، كما بدأ أنفه يميز بين الخشب العتيق والطازج والهش والمتعفن والطحلب، بل بين أنواع الحطب وكسراته وفتاته- ص27)، وقد استعاض عن العين المبصرة بالأنف الدقيقة الشم التي أصبحت راوياً يصف أدق التفاصيل، وأعمق المشاعر، وأعقد المواقف، وأكثرها غرابة.‏ حيث لا يعرف من الأشياء التي حولها سوى رائحتها، وأصبح بذاكرة روائح يقارن بها الحيوات المحيطة به أجمعها (فلقد قضى ليالي طويلة أمام الأنبيق محاولاً بأية طريقة من وسائل التقطير التوصل إلى روائح طيبة جديدة، لا يعرفها العالم بعد في شكلها المركز هذا، إلا أنه لم يتوصل إلاَّ إلى بعض الزيوت لنباتات سخيفة، أما نبع تصوراته الغني الذي لا ينضب، فقد بقي مستغلقاً عصياً، لم تخرج منه أية قطرة لرائحة محسوسة، وخاصة تلك التي كان يحلم بها، وعندما أدرك مدى فشله سقط مريضاً حتى كاد أن يموت- الرواية).‏

من اجل أن يعطي القارئ موضوعية (غرنوي) المثيرة للجدل حيث تركه بلا رائحة تدل على شخص البطل، وهذا ما أبقاه غريبا غير مستدل عليه، في هذا الجو الخانق الموبوء بالروائح الزنخة المتعفنة، مخلفا الرعب في نفسه لأنه لا يستدل إليها من خلال رائحتها، بمعنى انه لا يعرف موقعه فيما يريد أن يعرف، (وضع سبابته ووسطى يسراه تحت انفه وتنشق عبر ظهريهما. شمَّ هواء الربيع الرطب المبهر برائحة الشقائق، لكنه لم يلمس أي شيء، بل قلب كفه وتشمم باطنها، أحس بدفئها، ولكنه لم يشم شيئا، شمَّر أكمام قميصه الممزق ودفن انفه في باطن كوعه، كان عارفا بان هذه النقطة التي تفوح منها الرائحة الخاصة بكل شخص، لكنه لم يشمَّ شيئا، كانت المفارقة مذهلة، فهو (غرنوي)، القادر على شم رائحة أي إنسان على مسافة أميال لا يستطيع شم نفسه- الرواية )، فيشعر به كل من رأى (غرنوي) يشبه شبحا، كون مؤلف قد أوجده كيانا بلا رائحة على الإطلاق، (خامرهُ إحساس غريب أن هذه الرائحة الطيبة هي المفتاح لعالم الروائح الطيبة الأخرى كلها- الرواية).‏

انه يشم كل شيء حتى بصمات الإنسان، فالبصمة عنده، تعرق الأصابع، وما تتركه (حياته حتى الآن كانت لا أكثر من وجود حيواني غارق في ضباب كثيف يغلف معرفته بذاته. لقد وجد (غرنوي) على هذه الطبيعة منطقاً متسلسلاً اوصله إلى هذه القناعة بهذه الطبيعة الأعجوبة وافتقاده للرائحة البشرية، تمخض عنها قدرة عجيبة أخرى هي حاسة الشم الخارقة، ليشم العالم كله.

ولأن المبدع قد صنع من بطله أنموذجا تراجيديا، متميزا، يتعاطف معه من يقرأه، فبعد أن كبر قليلا قذفت به المرضعة (مدام غايار) إلى دبّاغ يُدعى (غريمال) ظنا منها بأنه ذا فأل سيء فتسبب في انقطاع عنها الدفعة السنوية من قبل الدير، وراح يعمل صغيرا جدا في حرفة خطرة جداً، حيث سلخ جلود الحيوانات المتفسخة.‏ بقي بطل الرواية معذبا، ومعدما لا يبغي سوى المسار خلف ما يبهجه، فقط (الرائحة)، وبقيت الروائح وفرزها كل أمانيه.. لا محالة، قاوم المرض، ونجا منه بعد أن ترك على وجهه ورقبته ندوباً زادته بشاعة- الرواية).‏ وكأي بشر حقيقي عرف الحب، والمرأة، وبواسطة انفه أيضا، فللحب رائحة جذبته وقلبت موازينه، وصارت لديه أمنية أن يمتلك تلك الرائحة، فـ (المرة الأولى التي شمّ فيها أنفه رائحة لطيفة طيبة، شعر بقلبه يتعذب هذه الرائحة كان لها خاصية منعشة: هذه الرائحة، التي تتبعها أنف (غرنوي) كانت رائحة فتاة في الرابعة عشرة، وامتلاكه لرائحة الفتاة دفعه لخنقها وتشمم جسدها كاملاً حتى الثمالة كي لا يضيع منه شيء من عبقها، ومنذ هذه اللحظة عرف (غرنوي) طريقه- الرواية)، وقد ابتدع أيضا الراوي شخصية معادلة لـ (غرنوي)، عندما أهله للعمل عند أشهر صانع عطور في باريس هو (بالديني) الذي كان يعاني من منافسة عطار آخر صنع عطر (الحب والروح) الذي لقي رواجاً عظيماً.

لكن (غرنوي) استطاع ان يكسب الثقة التامة بمعرفته كشف سرّ هذا العطر وتركيبته، وأن يستخرج ذات العطر (الحب والروح) بل إنه أجرى عليه تعديلاً فأنتج عطراً يفوقه روعة، وهذا ما أعاد لـ(بالديني) سمعته وجعله يستخدم (غرنوي) في معمله كي ينتج له عشرات العطور المبتكرة التي أذهلت الناس وجعلتهم يتسابقون على شرائها.‏ وفي الوقت نفسه كانت غاية (غرنوي) من العمل عند ه هو معرفة أسرار صنعة العطور كيفية استخلاص رائحة معينة، وتحويلها إلى عطر، أما التراكيب، فإن ذاكرته الشميَّة قادرة على التميز وتفكيك الروائح، فقد كان مشغولاً بالتفكير في كيفية استخلاص الرائحة بطريقة غير العصر والتقطير، فتجربته معه كانت لشبه برحلة (غرنوي) إلى الجنوب وصولاً إلى مدينة (غراس)، وعمله عند (مدام أرنولفي) في ورشتها للعطور وتجريبه لاستخلاص الروائح بواسطة الدهون تشكل الجزء الأكثر موضوعية وفق منطوق الرواية، حيث جعله يبتكر عدة عطور تحدث تأثيرات مختلفة في الآخرين، فهذا عطر (الاستعطاف) الذي يوحي للآخرين بأنه يستحق العون والمساعدة، وذاك عطر (النفوّر) يدفع الناس للابتعاد عنه، وذلك عطر يُشعر الآخرين بأنه في عجلة من أمره، وهكذا... تمهيداً لتركيب العطر الذي يحلم به ويجعل الآخرين يموتون حباً به، والذي ارتكب من اجله (25) جريمة، ضحاياه من العذراوات اللائي لم يتجاوزن الرابعة عشرة وقد حققه، وحقق به موته، فقد تمكن ان يغير وجهة الرأي العام به، والتحول من قاتل سفاح في أعين الناس إلى صديق حميم ومحبوب من قبل الجميع، و من فرط هيامهم به وبرائحته الذكية، تلقفوه إلى حد تقطعت أوصاله بين أيدي مريديه، وضاعت أشلاءه بين الناس، فيما الرواية لم تمت كونها، أحيت على الورق بطلاً روائيا، فتح باباً لن تغلق بموت الشخصية، أو بموت مؤلفها.. ‏

عرض مقالات: