اخر الاخبار

تُعدُّ رواية "مذكرات خاتون كرخية" للروائي "خضير فليح الزيدي" صدرت عن اتحاد الأدباء؛ عملاً سرديًّا يغور في تفاصيل مساحة شائكة تفصل بين أخلاقيات التدوين وسوقية المتاجرة بالآلام، وهي تبدأ بإشارة استهلالية وجودية مكثفة تتمثل في رحلة "زيد" مع جثة والده "حسب الحاج"، تلك الرحلة التي جرت في ذروة حظر شامل يعمُّ كرخ بغداد كما رصافتها، في يوم يُصعبُ فيه الحصول على تابوت، فيضطر لحمل أبيه المتوفّى على كتفه، وكأن الكاتب يمهّد مزاج القارئ ليكون أمام واقع عارٍ من حقيقة الموت القاسية، فالأب الذي فارق الحياة في ردهات "مستشفى ابن البيطار" لم يترك لابنه إرثًا ماديُّا، بل تركه أمام وصية أخلاقية ثقيلة تتمثل في إكمال المخطوطة الأخيرة له وفصلها الأخير ، عن "سعاد الأورثلي"، تلك الخاتون الكرخيّة التي تدور حولها الرواية، والتي تعرضت للاغتصاب الجسدي من قِبل الأقارب، والاغتصاب الرمزي من قِبل الطبقة الأرستقراطية التي تنتمي إليها، ومن هنا تبدأ رحلة زيد، طالب هندسة الحاسبات الذي يمثل لغة الأرقام والمنطق، نحو "مقهى الطرف" في الكرخ، ليصطدم بعالم غارق في الفانتازيا الواقعية والتشوهات البشرية، مع شلة من الكذابين والمرائين في المقهى. حيث يتحول المقهى إلى برلمان للمهمشين والممسوخين الذين فقدوا حواسهم أو وعيهم، مثل عبد الحق "حقاوي" الذي يستخدم أنفه لشم رائحة الفتيان والغلمان كونه أعمى، أو السمسار سابقاً والشيخ المصاب بالزهايمر حالياً، أو ياسر عشرة المهووس بالانتظار، وفي قلب هذا الركود، تبرز فلسفة "سمسم" (الرجل البطيء) لتُضفي بُعداً زمنياً وجودياً يكسر وتيرة السرد التقليدي، حيث يتحول "البطء" من مجرد سمة سلوكية لرجل عاطل إلى "بيان لاهوتي" يعيد قراءة مفهوم الإنجاز الكوني؛ فسمسم الذي يقطع مائتي متر في أربع ساعات ليحتسي شاي الصباح، لا يمارس الكسل، بل يمارس الترتيل الحركي في مواجهة عالم متسارع ومتهور، وهو إذ يستند إلى فكرة خلق السماوات والأرض في سبعة أيام ليبرر البطء الوجود في ماهيّة إدراك ألغاز الكوكب، فإنه يفكك المفهوم البشري الضيق للزمن، معتبراً أن الأيام الإلهية هي "أعوام ضوئية" لا تخضع لحسابات المستعجلين، إن سمسم هنا يمثل "الاحتجاج الصامت" ضد عصر السرعة والآلة، فالبطء عنده هو أداة لاكتشاف مواطن الشر والتأمل في طباع البشر قبل التورط معهم، وكأن الروائي الزيدي يريد القول إن مأساة "خاتون الكرخ" كانت نتيجة عجلة أو تسرع في الحكم والوقوع في شرك أسرار العوائل الأرستقراطية التي كوّنت مدينة بغداد في بداية القرن المنصرم، بينما البطء هو درع حماية يمنع الإنسان من الانزلاق نحو الخطايا السريعة، إن هذا الحوار الفلسفي مع أحد العاطلين يحول المقهى من مكان للرتابة إلى مدرسة زمنية فيه يدرك الفتى زيد أن الحقيقة لا تُنال بالقفز السريع فوق الأحداث، بل بالتأني الطويل الذي يشبه "رشف الشاي بغزل عاشق ولهان"، ليكون سمسم هو النقيض الفلسفي لـ "منظمة توم وجيري" السريعة، ومنتصراً لفئة "الحاسبين المحتسبين" الذين يرون في الصبر والتمهل قيمة عليا تفوق قيمة الإنجاز الفارغ.  هنا تتجلى المفارقة الكبرى التي تمنح الرواية ثقلها الفكري العميق؛ فزيد الذي انحنى ظهره في البداية ليحمل جثة والده عارية من التابوت بسبب قسوة الحظر، يرفض في النهاية أن يترك مذكرات سعاد خاتون عاريةً أمام أعين المتطفلين وسماسرة الحكايات. لقد أدرك زيد أن المخطوطة، تماماً كجثة أبيه، تحتاج إلى غطاء، وإذا كان القدر قد حرمه من تابوت خشبي لوالده، فإنه يقرر بإرادته أن يكون هو "التابوت الحي" لتلك المذكرات، يدفن جثة الأب في صمته ونبله بدلاً من عرضها في سوق النخاسة الأدبية.

تتجلى براعة الزيدي في جعل "مخطوطة المغتصبة" هي الخيط الذي يربط بين عالمين: عالم العوائل الأرستقراطية التي تحمي سمعتها بالكذب ونشر أخبار الخطوبة الزائفة في الصحف، وعالم المقهى الذي يقتات على الفضائح والديون، وهنا يبرز الروائي المغمور "جميل سالم القربان" كشخصية محورية تمثل "المثقف المأزوم" الذي يرهن الحقيقة من أجل لقمة العيش أو تسديد دين قديم، فهو يرفض تسليم الحكاية لزيد إلا بعد أن يلوث وعيه بقصص المقهى ووصاياه المتمردة المكتوبة على الجدران، وتصل الرواية إلى ذروتها النقدية الكاشفة لخزي العالم المحيط في المشهد الختامي الصادم، إذ ينقلب السحر على الساحر، فبعد أن حاول القربان إقناع زيد بأن الكتابة تتطلب "جينة الشر" وأن الأدب الحقيقي لا يبنى إلا على الخسة والمتاجرة بالأسرار، يقرر زيد أن يمارس فعلاً بطولياً مغايراً تماماً لما هو معتاد في الروايات الكلاسيكية، فبدلاً من أن يكون "المحرِر" الذي ينشر المظلومية، يختار أن يكون "الساتر" الذي يدفنها، بعد رفض زيد لدفع الدين ومنعه للقربان من إفشاء أسرار سعاد خاتون هو إعلان رسمي عن موت "الرواية التجارية" وانتصار لكرامة الضحية على بريق الشهرة الأدبية الزائفة، إنها عين فاحصة تعيد الاعتبار لفكرة "الصمت النبيل" في مواجهة "الكلام الرخيص"، حيث يرى زيد أن "الطيبة" التي وصمها القربان بالضعف والبلادة هي في الحقيقة المنتهى الأخلاقي الذي يجب أن يتوقف عنده أي تدوين، وبهذا يكون الزيدي قد قدم عملاً يفكك بنية المجتمع الكرخي الأرستقراطي والشعبي على حد سواء، كاشفاً عن أن الاغتصاب الحقيقي ليس هو الذي حدث لسعاد في ليلة النبيذ حسب، بل هو الاغتصاب الذي يمارسه الكاتب حين يحول وجع الضحية إلى بضعة فصول ليرضي غروره أو يسدّد ديونه، لتبقى الرواية في النهاية صرخة في وجه كل كاتب يسعى للمكانة المرموقة على حساب آلام الآخرين.