اعلنت شركة النفط البريطانية بي بي في الثاني من آب الجاري أنها حققت في الربع الثاني من هذا العام، أرباحًا تقارب 7 مليار جنيه إسترليني؛ وهو اعلى مستوى للربح منذ 14 عامًا. وأفاد معهد أبحاث المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن التضخم في بريطانيا سيصل إلى 11 في المائة قبل نهاية العام، وسيصل التضخم في العام المقبل إلى نسب فلكية. ويؤكد المعهد ان ملايين من أفقر الأسر ستكون الأكثر تضررا، وهذه هي خلفية الموجة الحالية من الإضرابات في بريطانيا هذه الايام: أرباح باهظة، مقابل أزمة اجتماعية عميقة ومتفاقمة.

ومن المحتمل أن يشهد الصيف الحالي أكبر حركة إضراب منذ عقود خلال الأشهر القليلة الماضية، شل 40 ألف عامل من نقابة ار ام تي السكك الحديد في جميع أنحاء البلاد لعدة أيام، وتخطط نقابتان أخريان الآن للانضمام إلى الإضرابات. بالإضافة إلى ذلك، أضرب عمال البريد ومحامو الدفاع والمحاضرون الجامعيون. وقبل ذلك بأسبوع، توقف موظفو مركز الاتصال في شركة تلكوم عن العمل لأول مرة. وتستمر نضالات عمل محدودة في عدة مناطق ومدن. كما وعد الأطباء والقابلات والمعلمون وغيرهم من العاملين في القطاع العام، بالتصويت لصالح بدء بالأضراب.

اذا كان انخفاض القيمة الحقيقية للأجور هو الذي يسبب موجة الإضرابات، فان ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والوقود، وارتفاع التضخم الآن إلى أكثر من 9 في المائة يثقل جيوب البريطانيين، مقابل تراجع الدخل المتحقق. وفقًا لهيئة الإحصاء الوطنية، انخفضت الأجور الحقيقية بمعدل 2,8 في المائة في الربيع مقارنة بالعام السابق، ولم يحدث أن انخفضت الدخول بهذا الشكل الحاد. ويأتي هذا التطور بعد أكثر من عقد من ركود الأجور.

تحقق الشركات الكبيرة أرباحًا كبيرة. وفق اتحاد نقابات يونتي، زادت أرباح أكبر الشركات المتداولة في البورصة بأكثر من 70 في المائة منذ عام 2019. وشركات الطاقة الكبرى غارقة في السيولة: أعلنت الشركة الأم لمزود الطاقة البريطاني بريتش غاز عن أرباح قدرها 1,3 مليار جنيه إسترليني في الأشهر الستة الأولى من عام 2022؛ في حين كانت في العام السابق 262 مليون جنيه إسترليني. وقالت فرانسيس أوغرادي، السكرتيرة العامة لنقابات تي يو سي: “هذه الأرباح المذهلة إهانة لملايين العمال الذين يعانون من ارتفاع فواتير الخدمات”. ويشير اقتصاديون أيضًا إلى أن التضخم مدفوع، من بين أمور أخرى، بهذه الأرباح تحديدًا، وليس بمطالبة العمال بأجورهم.

يقف العديد من البريطانيين وراء حركة الإضراب المتنامية. في أواخر حزيران، عندما كان إضراب عمال السكك الحديدية في ذروته، وجد استطلاع للرأي أن 45 في المائة من المشاركين يؤيدون النقابيين، مقارنة بـ 37 في المائة ضد الإضراب. وفي الأسابيع الأخيرة، اعتصم عشرات الآلاف من عمال نقابة ار تي ام ليوم واحد، وتمتع بدعم قوي. وقال مراسل بي بي سي الذي كان يغطي إضراب السكك الحديدية من مدينة ليستر: “إنه أمر مثير للدهشة حقًا”. “على الرغم من أن الكثير من الناس محبطون لأنهم لم يتمكنوا من السفر، إلا أنني لم أقابل شخصًا واحدًا أدان الإضراب”.

ويبدو أن الحكومة البريطانية مصممة على مواجهة الحركة العمالية. ليز تروس، المرشح الأكثر ترجيحًا لخلافة بوريس جونسون، عادت الى الشعارات والملفات القديمة لحزب المحافظين، وأعربت عن أسفها، لان “النقابات المتطرفة تحتجز الجمهور كرهينة”. وقد أعلنت تروس عن مشاريع قوانين جديد ة في القطاعات الرئيسية مثل النقل، من شأنه أن يسمح بالحد الأدنى من الاضراب هنا ام هناك. ويقلل بشكل كبير من تأثير الإضرابات ويضعف النقابات بشكل كبير. وموقف القيادة اليمينية لحزب العمال المعارض ليس ببعيد عن الموقف الحكومي.

وقد وصف ميك لينش، السكرتير العام لنقابات ار ام تي، ذلك بأنه “أكبر هجوم على الحقوق المدنية منذ نيل النقابات شرعيتها في عام 1871.” لكن الحركة العمالية لا تنوي التراجع. لقد هدد لينش بالفعل بإضراب عام إذا تم تقديم مشروع قانون مكافحة الإضراب بالفعل. سيكون هذا هو الأول من نوعه منذ ما يقرب من مائة عام: في عام 1926، دخل العاملون بأجر في بريطانيا في إضراب عام للمرة الأولى والأخيرة، بسبب انخفاض الأجور وظروف العمل السيئة لعمال المناجم، انتهى حينها بهزيمة النقابات.

ليس هناك شك في أن العديد من الأجراء في بريطانيا سيكونون مستعدين لمثل هذا التصعيد. خاصة أنه قد تم بالفعل إثبات أن توقف العمل يمكن أن يكون فعالًا للغاية، بما في ذلك مجرد الإعلان عن الاضراب: ألغى موظفو الخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو إضرابًا مخططًا في تموز الفائت بعد أن وافقت الشركة على أكثر مطالبهم المتعلقة بالأجور.

البريطانيون مستعدون أيضًا للانخراط في العصيان المدني بطرق أخرى: حددت حملة “لا تدفع” لنفسها هدفًا يتمثل في إقناع مليون مواطن على الأقل بالتوقف ببساطة عن دفع قوائم أجور الطاقة الخاصة بهم اعتبارًا من الأول من تشرين الأول احتجاجًا على التكاليف الباهظة. إنه إضراب المستهلكين على غرار حملة 1990 ضد ضريبة التصويت، انضم 75 ألف إلى حركة “لا تدفع”. قد يكون هناك المزيد بشكل ملحوظ في الأسابيع المقبلة - يبدو أن الرياح تهب لصالح الحملة في الوقت الحالي. وعودة إلى التاريخ تجعل المشاركين متفائلين: المقاومة ضد ضريبة الاقتراع قبل 30 عامًا لم تؤد فقط إلى إلغاء الضريبة في النهاية، بل ساهمت الحملة بشكل حاسم في سقوط رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر.

عرض مقالات: