بعد عام من عودة طالبان إلى السلطة، يبدو الوضع في أفغانستان ميؤوسا منه، فالبلد في أزمة إنسانية حادة، والسكان يتضورون جوعا. وطالبان تضطهد النساء والفتيات وتحجب عنهن فرص الحياة. ولا يزال معلقو الغرب يتساءلون كيف يمكن للدولة، التي تم بناؤها على مدى 20 عامًا بإمكانيات مالية هائلة، وماكينة عسكرية ضخمة، أن تنهار بهذه السرعة.

تقليد امبريالي

إن محاولة التعجب لتبرير ما حدث في أفغانستان قبل عام، هو محاولة مكشوفة لعدم فضح سياسات تخلي الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها عن الشعوب مع أي تبدل لأولوياتها، بغض النظر عن الكوارث الإنسانية المتوقعة، وأفغانستان ليس الحالة الأولى ولن تكون الأخيرة.

لم يحدث الانهيار فجأة، بل كان واضحا منذ عام 2019، عندما أعلنت نتائج مباحثات الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، مع استبعاد الحكومة الأفغانية بالكامل من المباحثات. والتوقيع على الاتفاق بعد عام. لقد غير الجيش الأمريكي، بين ليلة وضحاها، قواعد الاشتباك في أفغانستان، وتلقت القوات الجوية الأمريكية تعليمات بعدم مهاجمة مواقع طالبان أو دعم هجمات قوات الحكومة الأفغانية. بالإضافة إلى ذلك، فرض على الجيش الأفغاني القيام بعمليات دفاعية فقط.

ويجرى الاستمرار في تحميل الضحية مسؤولية الجريمة، عندما يجري الحديث عن عدم رغبة الجيش الأفغاني في القتال، وان الشعب الأفغاني ليس لديه الرغبة في نظام ديمقراطي ودولة قانون، كما يشاع في الحوارات التلفزيونية، وان هناك "تقارب بين السكان وطالبان". والحقيقة ان بناء دولة مواطنة ديمقراطية حقيقية لم تكن يوما هدفا حقيقيا لقوات الناتو التي احتلت البلاد في عام 2001.

الأرقام تتحدث

فيما يتعلق بموقف أكثرية السكان تجاه طالبان، تقول ن نتائج استطلاع الرأي، انخفض دعم السكان للحكومة الأفغانية من 71 في المائة في عام 2020 إلى 48 في المائة في عام 2021. ومع ذلك، لم تستطع طالبان الاستفادة من هذا الانخفاض لتعزيز رصيدها، لأن عدد أنصارها ظل "أقل من 7 في المائة". وعلى الرغم من ذلك، يعيش الناس الآن في ظل نظام لا يحترم حقوق الإنسان، وخاصة حقوق النساء.

ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر الاثنين الفائت تحت عنوان " حكم طالبان: عام مليء بالعنف والإفلات من العقاب والوعود الكاذبة "، فإن حركة طالبان ارتكبت أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان بعد عودتها للسلطة، وبالضد ما أعلنته في ايامها الأولى، تضطهد الحكومة الإسلامية المتطرفة الأقليات وتقمع الاحتجاجات السلمية بالقوة وتضطهد النساء.

وهناك حالات إعدام كيفية، وحالات اختفاء قسري. وغالبا ما تمر جرائم مثل التعذيب والقتل الانتقامي وطرد الأقليات دون عقاب. وأوضحت تيريزا بيرغمان، الخبيرة في شؤون آسيا بمنظمة العفو الدولية في ألمانيا، أن الإنجازات المهمة التي تحققت في العشرين عامًا الماضية، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الفتيات والنساء، قد تم إلغاؤها. إنهن محرومات من التعليم والمشاركة في الحياة العامة. "ويتعرضن للتمييز المنهجي في كل مجالات الحياة تقريبًا".

كارثة إنسانية وأزمة اقتصادية

بعد أن جمدت المساعدات الخارجية، غرقت البلاد في أزمة إنسانية واقتصادية حادة. لقد ارتفعت نسب البطالة بسرعة. ووفقا للأمم المتحدة، فان 24 مليون أفغاني مهددون بنقص الغذاء، أي أكثر من نصف السكان. وبعد الزلزال الذي ضرب شرق البلاد في نهاية حزيران الفائت وأسفر عن مقتل أكثر من ألف مواطن، تجري مفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان بشأن الإفراج عن الأموال الأفغانية المجمدة التي يصل مجموعها الى 9 مليار دولار، منها 7 لدى الولايات المتحدة ومليارين لدى حلفائها الأوربيين.

وحذرت منظمة الإغاثة الدولية، لجنة الإنقاذ، الإثنين الفائت، من أن المجاعة الحالية، يمكن ان تؤدي الى ضحايا، أكثر من ضحايا سنوات الحرب العشرين. وقالت لجنة الإنقاذ الدولية: "يعيش 43 بالمائة من الأفغان على أقل من وجبة واحدة في اليوم".

في ضوء الوضع المأساوي، دعت سيفيم داغديلين من كتلة حزب اليسار الالماني، والمتحدثة باسم مجموعة العلاقات الدولية في البرلمان الاتحادي، إلى الإفراج عن أموال الدولة الأفغانية المجمدة في الخارج. وأوضحت في بيان صحفي أنه يجب على الحكومة الألمانية الإفراج عن الأموال "فوراً لمكافحة الجوع وتقديم المساعدات الإنسانية، بدلاً من الاستمرار في استخدام الجوع كسلاح، في اعتقاد خاطئ ومدمر، بان الحجز سيصيب طالبان".

ومنذ تشرين الأول 2021، قُتل عشرات الأفغان بسلسلة هجمات تبنتها داعش الإرهابية ووفق خبراء، فإن داعش هي أكبر تحد أمني لحكومة طالبان.

وفي الأول من آب الجاري، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن مقتل زعيم القاعدة أيمن الظواهري في كابول في هجوم بطائرة مسيرة ويعتبر خليفة أسامة بن لادن أحد العقول المدبرة لهجمات 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة. من جانبها نددت طالبان بالهجوم لكنها لم تؤكد مقتل الظواهري أو وجوده في كابول.

عرض مقالات: