تشير إستطلاعات الرأي الى تقارب شديد في التأييد الشعبي، بين ما تحظى به الحكومة السويدية الحالية بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار الوسط) والمدعومة من أحزاب اليسار والبيئة والوسط وبين ما تحظى به المعارضة اليمينية، التي يتزعمها حزب المحافظين (يمين) وتضم الحزب الليبرالي والديمقراطي المسيحي (كلاهما يمين الوسط) وحزب ديمقراطيّ السويد (يمين متطرف بجذور نازية)، وذلك قبل أسبوعين من الإنتخابات التشريعية والبلدية المزمع إجراؤها في 11 أيلول المقبل.

صيانة أم تقليص المكتسبات

وبديهي أن تكون لهذا الإستقطاب الحاد علاقة وثيقة بجملة من القضايا التي تهم قطاعات واسعة من الناس، وفي مقدمتها تدهور المستوى المعاشي لأجزاء كبيرة من الشغيلة والطبقة الوسطى، جراء إرتفاع معدلات التضخم (8.5 في المائة) والأسعار (14 في المائة)، لاسيما بعد إندلاع الأزمة الأوكرانية. ففي الوقت الذي يدعو فيه اليمين الى خفض الضرائب، وبالتالي الإنفاق العام، عبر تقليص مكتسبات الشغيلة كتعويضات البطالة والمرض ورعاية الأطفال والمسنين ودعم الأسر الكبيرة وغيرها، يدعو الحزب الحاكم الى المحافظة على مكتسبات دولة الرفاة الإجتماعي الحالية، فيما يتبنى حزب اليسار برنامجاً واضحاً لتحسين هذه المكتسبات، عبر زيادة الضرائب على الدخول العالية والرأسماليين، وإستثمار ذلك (وهو مايصل الى 70 مليار كرون = 8 مليار دولار) لخلق 100 ألف فرصة عمل إضافية في الرعاية الصحية والمدارس والرعاية الاجتماعية، مما يجعله الحزب الوحيد الذي يذهب إلى صناديق الإنتخابات لتحسين الرفاه الإجتماعي. 

الهجرة

وتحتل قضية الهجرة والأمن موقعاً متميزاً في الصراع الإنتخابي، خاصة مع إزدياد أعداد المهاجرين وعدم تحقيق نجاحات كبيرة من برامج دمجهم بالمجتمع السويدي، وتصاعد نشاط عصابات الجريمة المنظمة، التي يربطها اليمين، والمتطرف منه بشكل خاص، قسراً بالمهاجرين. وإذ تدعو أحزاب اليسار والبيئة والوسط الى تغيير جذري في برامج التكامل، وتخليصها من الإرتجالية والفساد، وتوفير فرص حقيقية للمهاجرين ليصبحوا مواطنين فاعلين في المجتمع، ومكافحة العنصرية والتمييز في السكن والعمل والوصول الى الخدمات، يتنافس الحزب الحاكم مع اليمين واليمين المتطرف، على تبني شعارات شعبوية، كمنع وجود أحياء مغلقة على المهاجرين، وتشديد العقوبات على من يرتكب منهم مخالفات قانونية، وفرض إتقان اللغة كشرط للعمل في قطاعات الرعاية والتعليم. غير أن ذلك كله، ليس كافياً لليمين، الذي يتبنى علنا كما هو حال ديمقراطيي السويد، أو سراً كما هو حال باقي أحزاب اليمين، سياسة تقليص عدد المهاجرين وإتخاذ كل ما يلزم لتشجيعهم على ترك البلاد والعودة الى بلدانهم، محّملاً إياهم إرتفاع مستويات الإنفاق العام وتصاعد معدلات الجريمة في البلاد.

الناتو

وعلى صعيد السياسة الخارجية، إنفرد حزب اليسار بمعارضة الإنتماء لعضوية حلف شمال الأطلسي، وهو ما تم فعلاً بمباركة الحكومة وأحزاب اليمين، رغم التنازلات الكبيرة التي فرضها أردوغان على السويد مقابل الموافقة على دخولها الحلف، ومنها تنازلات تتعارض مع الشعارات الخاصة بـ (الديمقراطية وحقوق الإنسان) التي ترفعها السويد منذ عقود. ويتسابق الاشتراكيون الديمقراطيون مع المحافظين والليبرالين في تجميل صورة الحلف والسعي لإقناع الناس بجدواه وأفضليته على سياسة الحياد التي إتبعتها البلاد لقرنين من الزمان. 

إستطلاعات الرأي

تتميز إستطلاعات الرأي في السويد بدقتها الكبيرة، وعادة ما تتم على مدى أشهر، وحول قضايا كثيرة. الا إنها تشهد تكثيفاً كبيراً قبيل الإنتخابات، حيث تحدث كل يوم تقريباً. وقد بينت الإستطلاعات الأخيرة (بعد منتصف أب الجاري) حصول الحزب الحاكم وحلفائه على 50 في المائة (الاشتراكي الديمقراطي 29، اليسار 9، الوسط 6.5، البيئة 5.5 في المائة)، فيما ستحصل كتلة اليمين على 49 في المائة (ديمقراطيو السويد 21، المحافظون 18، الديمقراطي المسيحي 6.0، والليبرالي 4.0 في المائة).

وفي الوقت الذي تعّد فيه كتلة اليمين موحّدة نسبياً، تشهد الكتلة الأخرى خلافات كبيرة حيث يرفض حزب الوسط، إشراك حزب اليسار في الحكومة، ويريد إبقاءه مؤيداً لها من خارجها، فيما تصّر زعيمة حزب اليسار (نوشي دادغوستار) على مشاركة حزبها في الحكومة كشرط لدعمه لها. 

الناخبون “الأجانب”

ويجدر بالذكر أخيراً، أن أكثر من 23 في المائة من ناخبي أيلول القادم، سيكونون من الذين ولدوا خارج السويد، وإكتسبوا الجنسية بعد هجرتهم الى هذه البلاد، مما يجعلهم قادرين نظرياً على إنجاح أي حزب يريدون. لكن الواقع مختلف تماماً، لأن أكثر من نصف هؤلاء لايهتمون بالإنتخابات أو يشاركون فيها، كما أنهم لايشكلون كتلة واحدة من حيث الانتماءات والخلفية الثقافية والآراء السياسية. وعادة ما يصّوت من يشارك منهم في الإنتخابات لكتلة “اليسار” رغم أن 10 في المائة منهم صوتوا لحزب ديمقراطي السويد، العنصري المعادي للأجانب، في إنتخابات 2018.

عرض مقالات: