هذه الصرخة التي انطلقت في الساحات، وفي كل مكان، والتي أضحت اللازمة الرئيسية لكل متظاهر نزل يطالب بحقّه في العيش الكريم على أرض دافع عنها هو وأخوته وآباؤه وأجداده حين أطبق الظلام على سمائها وهجمت خفافيشه تريد امتصاص دمها!

نزل للساحات بكل عنفوان الشباب في تشرين 2019، وبين شفتيه صرخة كانت مكتومة   انفجر بركانها وأخذ يقذف بحممه على رؤوس الفساد وسارقي أعمار الشباب الذين صاروا يحملون هذه الصرخة شعاراً لهم ولكل مَنْ ذاق مرارة الحرمان واليتم والقهر والجوع، شعاراً ظلوا يسقونه من دمائهم الطاهرة بين يوم وآخر!

قد يطرق أذهان البعض سؤال: لماذا يريدون وطنا، أليس الذي يقيمون فيه الآن هو وطنهم ؟!

والجواب: نعم، هو وطنهم، ولكن لم يشعروا به أبدا!

الوطن يعني الحضن الدافئ، والقلب الطيب، والروح السامية الخلّاقة، والمحنّة، والانسانية، والحنو، والكبرياء، ورغد العيش، والسكن اللائق، وفرص العمل، والأمن والأمان، والسعادة في كل مكان!

كل هذه لم يحظ بها الشباب لحظة واحدة، لهذا فقدوا الإحساس بالوطن، وباتوا يحلمون،

أحلامهم لم تتعدّ الأرض التي ولدوا عليها، وسمعوا عنها الحكايات الكثيرة من جدّاتهم وأمهاتهم، وحينما فتحوا عيونهم وعرفوا أن هذا الحلم سراب انتفضوا صارخين: نريد وطناً!

كم هي مؤلمة حقاً هذه الصرخة، حين تسمعها من فم شابٍ وفتاةٍ لم يبلغا الحلم بعد؟!

الأعم الأغلب من المتظاهرين هم الشباب الذين لم تبلغ أعمارهم الخامسة والعشرين، بل منهم من لم يبلغوا الثمانية عشر عاما، لم يبصروا من الوطن الذي سمعوا وقرأوا عنه شيئا ابدا، فأحسّوا بضياعهم، وضياع كل شيء جميل في حياتهم، بل ضياع حياتهم كلها، واجهوا الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع بصدور عارية، فعرج للسماء منهم بلابل وعصافير وحمامات برصاص الغدر والحقد، عرجوا صاعدين وهم يرددون قول الشاعر محمود درويش: مَنْ ليس له وطن، ليس له كفن!

لأجل أن يمسكوا بحبل نجاة قبل أن تغرق السفينة نهائيا خرجوا للساحات يطلبون وطناً.. وطناً يليق بهم ويليقون به، وطناً يحنو عليهم ويضمهم بين جناحيه قبل أن يتشردوا لاجئين في بقاع الأرض، وطناً حلموا به منذ نعومة أظفارهم .. لكنّهم اصطدموا بالغدر والرصاص.. ولأنهم ما يزالوا حالمين خرجوا مرة اخرى في 25 أيار وسيخرجون دائما!

ما علينا الاّ أن نقف معهم بكل ما يريدون، والمسؤولية الكبرى تقع على مَنْ يقود البلاد والسلطة العليا أولاً، ومشايخ القوم وعليّتهم ثانياً، وكل ذي عقلٍ حليم ثالثاً. عليهم أن يعوا المسؤولية هذه ويفتحوا صفحة جديدة، ويبدؤوا بتصحيح الأخطاء التي أودت بالبلاد الى الخراب قبل أن تكون الهاوية، كي يشعروهم بأن ثمّة وطناً يقيمون فيه، بعيداً عن الحرمان والقهر والمطاردات وسفك الدماء البريئة. علينا أن نعيد لهم الإحساس بوطنٍ حرٍ يعيشون على أرضه بسلام وسعادة وهناء وعيشٍ رغيد!!

عرض مقالات: