اخر الاخبار

في الثاني والعشرين من نيسان 2026، صدر قرار مجلس النواب العراقي المرقم (28) لسنة 2026، والمتعلق باستحقاقات الفلاحين وما يعانونه من ظلم وإجحاف نتيجة السياسات الزراعية والتسويقية المتبعة. وقد تضمّن القرار جملة من التوجيهات المهمة، أبرزها إعادة تسعيرة محصول الحنطة إلى السعر السابق البالغ (850) ألف دينار للطن، وإلزام الحكومة بتسديد مستحقات الفلاحين المترتبة بذمة الدولة، فضلاً عن تأجيل الديون المستحقة على الفلاحين إلى إشعار آخر.

كما نص القرار على إلغاء اعتماد تقدير الغلة الثابت للدونم الواحد البالغ (750) كيلوغراماً، والعودة إلى التقدير الميداني الذي يراعي الظروف الموضوعية والإنتاج الحقيقي لكل منطقة زراعية.

إلا أن الملاحظ، حتى الآن، أن الجهات الحكومية ذات العلاقة، سواء رئاسة مجلس الوزراء أو وزارات الزراعة والموارد المائية والتجارة، لم تلتزم فعلياً بتنفيذ ما ورد في القرار النيابي، ولم تعتمد الآليات الكفيلة بتطبيقه على أرض الواقع. بل إن الحكومة، ومن خلال مجلسها الاقتصادي، وبعد أن قامت سابقاً بتخفيض أسعار شراء الحنطة، عادت وأضافت زيادة طفيفة لا تتناسب مع حجم الخسائر المتراكمة التي تكبدها الفلاحون، ليصبح سعر الطن (700) ألف دينار فقط، أي بزيادة مقدارها (50) ألف دينار عن التسعيرة الأخيرة، وهي زيادة عدّها الفلاحون محاولة لامتصاص غضبهم دون معالجة حقيقية لأزمتهم.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل زادت الأزمة تعقيداً بعد صدور تعاميم من وزارة التجارة تشترط تسديد الفلاحين للديون المترتبة عليهم قبل استلام محصول الحنطة منهم، في الوقت الذي لا تزال فيه الدولة مدينة للفلاحين بمستحقات مالية كبيرة. وكان من الممكن معالجة هذه الإشكالية عبر إجراء مقاصة مالية بين الطرفين، بما يضمن حقوق الدولة والفلاح معاً، إلا أن ما حصل عكس حالة من التعنت الإداري وغياب الرؤية العملية في إدارة الملف الزراعي.

يضاف إلى ذلك رفض تأجيل ديون الفلاحين، فضلاً عن التأخير الحاصل لدى الجهات الزراعية المختصة بعد تعديل قرار تحديد الغلة بـ (750) كيلوغراماً للدونم، الأمر الذي أدى إلى بقاء محاصيل الفلاحين متراكمة ومطروحة في أراضيهم، وما يرافق ذلك من أضرار اقتصادية وخسائر مباشرة.

وفي ظل هذا التخبط الواضح في اتخاذ القرارات بين الحكومة والبرلمان والوزارات المعنية، تصاعدت حالة الغضب بين الفلاحين والمزارعين، ما دفعهم إلى تنظيم تظاهرات واسعة في المحافظات والعاصمة بغداد، احتجاجاً على تجاهل مطالبهم. وقد تعرض عدد منهم، بحسب ما تم تداوله، إلى الضرب والإهانة من قبل القوات الأمنية، الأمر الذي زاد من حالة الاحتقان ودفعهم إلى التهديد بتنظيم احتجاجات جديدة إذا لم تُنفذ مطالبهم خلال مدة قصيرة.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ألم يحن الوقت لتشكيل هيئة أو مجلس أعلى يتولى رسم السياسات الزراعية والمائية والتسويقية في العراق، تحت أي مسمى قانوني، على أن تكون قراراته ملزمة للحكومة والبرلمان والمؤسسات التنفيذية ذات العلاقة؟

إن استمرار حالة الفوضى والتناقض في القرارات الزراعية ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل القطاع الزراعي، ويحد من إمكانات نموه وتطوره، كما يهدد الأمن الغذائي للمواطن العراقي. وفي المقابل، ما تزال مؤسسات الدولة تعتمد على أعداد كبيرة من المستشارين واللجان التابعة للجهات الحكومية أو البرلمانية، والتي غالباً ما تُبنى قراراتها على المصالح والاعتبارات الضيقة، بدلاً من اعتماد سياسة علمية تستند إلى الواقع الموضوعي، وتأخذ بنظر الاعتبار الظروف المحلية والمتغيرات الإقليمية والدولية.

كما أن تعدد هذه الجهات وما يرافقه من تضارب في الصلاحيات والرؤى يؤدي إلى هدر مالي كبير واستنزاف غير مبرر لخزينة الدولة، من دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

إن الحاجة اليوم أصبحت ملحة لتأسيس هيئة عليا تُعنى بإدارة السياسات الزراعية والمائية والتسويقية، وتعمل وفق رؤية استراتيجية واضحة، تضمن حماية المنتج المحلي، وإنصاف الفلاح العراقي، وتحقيق الأمن الغذائي، بعيداً عن الارتجال والتخبط في القرارات.

ـــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري