قبل 78 عاماً، حين خسر شعبٌ بعضاً من وطنه، وصار مستقبله في مهبّ الغزاة، اكتفى الطغاة بوصف المحنة بالنكبة، ومنعوه من أن يقيم دولةً على ما تبقّى من أرضه. وبعد عقدين، التهم الغزاة تلك الأرض، فانبرى الطغاة أنفسهم لوصف المحنة بالنكسة، وادّعوا بأن قيام كيان لهذا الشعب الذي تشرّد سيعمّق الأزمة!
وطيلة أربعة عقود مضت، ورغم تناسل الشعارات، وتغيّر سحن الثوار، واتساع الخراب، بقي الطغاة يزيّنون قلاعهم بصور القتلى وأشلاء الأطفال، ويوزّعون الوهم عن الأرض التي لن تُستعاد من دونهم، وعن "نعمة" وجودهم، التي لولاها لاحتُلّت البلاد واستُعبدت الشعوب، وعن كفر وغباء المعارضين الذين لم يدركوا أن تقليد أولياء أمورنا لبهاء الدين قرقوش في الاستبداد لم يكن يوماً ترفاً، بل ضرورةً يتطلبها تحرير فلسطين!
وكان اليسار، وفي القلب منه الشيوعيون، أكثرَ ما "أبدع" الطغاة، حكاماً ومتنفذين، في قمعه وتشويه مواقفه من القضية الفلسطينية، وتحميله مسؤولية كوارث كان أولَ من نبّه إلى مخاطرها ولسبل تجنبها. إلاَ أن كل هذا الكذب والاضطهاد، والعطايا التي أغدقت على الأبواق، كي يستمر هذا اللغو، لم تنجح في تزييف التاريخ، فمراجعة سريعة لصفحاته ستبيّن لنا الموقف الواضح لماركس مما سُمّي بالقضية اليهودية، حين وصفها بالتعبير الإيديولوجي عن ظاهرة طبقية وجدت ثم نضجت مع النظام الرأسمالي، وأن التحرر لا علاقة له بالوعي الديني أو الهوية الطائفية، بل بالنظام الاجتماعي الحر والعادل، وأن لا خلاص للمضطهدين سوى بقيام مجتمع إنساني متحرر من الاستغلال الطبقي والسيطرة البرجوازية.
ويكشف لنا هذا التاريخ نفسه كيف اعتبر لينين الصهيونية حركةً رجعية عنصرية، وإيديولوجيا بربرية وُلدت من النظام الرأسمالي وارتبطت به ارتباطاً مصيرياً، وكيف طالب اليهود بالاندماج في مجتمعاتهم، ورفض كل أشكال التنظيم الحزبي المستقل بهم، ووصف أي كيان لهم بالخادم المطيع لرأس المال، سواء بمفرده أم بمعونة الصهيونية.
وفي صفحات هذا التاريخ نقرأ أيضاً كيف اعتبر حزبنا الشيوعي العراقي وباقي قوى اليسار الصهيونيةَ حركةً عنصرية تمثل مشروعاً إمبريالياً للهيمنة، وأن قضية الفلسطينيين هي قضية تحررية تعني شعوبنا وشعوب العالم وقواها الثورية أجمع، في إطار الصراع الطبقي بينها وبين الإمبريالية، وأن النضال ضد الصهيونية لا ينحصر في قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة، بل وأيضاً في مقاومة الهيمنة الإمبريالية ومصالحها والتصدي لركائزها، وأن شرط انتصار هذه المقاومة هو انغماسها في النضال الجماهيري، وتنظيم الناس، ورفع وعيهم بمهامهم التاريخية، لا خوض الحرب بالنيابة عنهم وتحويلهم إلى متلقٍّ سلبي تُسلب إرادته متى ما تمكّن العدو من ذلك.
واليوم، وفي ذكرى النكبة، تكشف لنا القراءة المحايدة للتاريخ الموقف الحقيقي للحزب من القضية الفلسطينية، ذاك الذي ما زال يحتفظ بصوابه، والذي حدده الشهيد الخالد فهد في رسالة بعثها من سجن الكوت خريف عام 1947، ووصف فيها الصهيونية بالحركة العنصرية الرجعية، وقرار التقسيم بالمشروع الذي لن يفضي إلى السلام، مؤكداً أن لا بديل لحل المشكلة سوى بقيام دولة ديمقراطية مستقلة لجميع سكان البلاد.
واليوم، وفي ذكرى الوثبة أيضاً، إذ يمنح الطغاة أنفسهم مشروع الشرق الأوسط الجديد مقبوليةً زائفة، لتعيد الرأسمالية العالمية به تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها ومصالح الكيان الإسرائيلي، في السيطرة على النفط والطاقة، وفتح الأسواق أمام منتجاتهما، وتفكيك دولها الوطنية وتمزيق جيوشها وتحويلها إلى كيانات تابعة اقتصادياً وسياسياً، وتشديد الاستقطابات الطائفية والإثنية فيها، يدرك الحزب أن المقاومة تنتصر بوحدة اليساريين القابضين على جمرة الألق الثوري وبتشديد كفاحهم.