يعتبر الفساد من اكبر التحديات التي تواجه سياسات السوق الحرة التي تنتهجها الحكومة الانتقالية في السودان، بتمويل من مؤسسات مالية دولية واقليمية، على رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين وبنك التنمية الافريقي والصناديق العربية.

من ناحية تعول تلك السياسات على زيادة ايرادات الدولة عن طريق تعويم سعر العملة الوطنية والحوكمة. فاصبح الان سعر الدولار الرسمي يفوق سعره في السوق الموازي بعشرة جنيهات، مما يضمن تحويلات المغتربين عبر الجهاز المصرفي بدلاً من ان تذهب الى تجار العملة. ومن ناحية اخرى اصبح الفساد مؤسسيا ولم يعد يقتصر على الرشوة والمحسوبية والاختلاسات الفردية.

لذلك طرحت مؤسسات امريكية اكثر من مليون دولار للمساعدة في مكافحة الفساد. بينما دخلت مراكز مجتمع مدني ابرزها مركز الخاتم عدلان ومنظمة صائب الامريكية في شراكات لتأسيس “المركز السوداني لمكافحة الفساد”، الذي  يضم منظمات مجتمع مدني واعلاميين والقطاعين العام والخاص.

على الجانب الاخر ما زال جهاز الدولة يعمل بنفس الطريقة القديمة. وقد اشتكى مدير مؤسسة الموارد المعدنية من معوقات  يواجهونها في رفع الحصانة واتخاذ الاجراءات القانونية  ضد نافذين  قاموا بتهريب الذهب عبر مطار الخرطوم. كما  اتهمت مصادر عبر تحقيق نشرته صحيفة (الحراك) نافذين يساعدون على ادخال عربات مهربة من ليبيا  اسمها( بوكو حرام ). وقد وصل عددها خلال  الخمس سنوات الاخيرة 300 الف عربة، مايسد استيراد السودان من السيارات لمدة 65 عاماً.

وكشف تحقيق لصحيفة (الميدان) التي يصدرها الحزب الشيوعي السوداني عن  اكبر عملية نصب واحتيال في التحصيل الاليكتروني لاورنيك 15، اهدرت فيه مليارات الدولارت خلال السنوات الاخيرة. لكن الملف الذي اعدته لجنة تفكيك نظام البشير ومحاربة الفساد واسترداد اموال الدولة في وزارة المالية، تعطل داخل اروقة  الحكومة.  مع انه وصل الى مكتب النائب العام ومكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك منذ اكثر من 6 اشهر.

وقد اهدر في العملية التي اعترف بها كبير مستشاري رئيس الوزراء السابق حسبما اوردت صحيفة الميدان 75 في المائة من الايرادات العامة، وتشير اصابع الاتهام فيها الى شركات يمتلكها ضباط في جهاز الامن، ابرزها شركة (اشرافكم) التي يمتلكها ضابط الامن جمال زمغان.

وتوالي الصحافة السودانية رغم قلة امكانياتها والظروف الصعبة التي تعمل فيها، كشف الفساد في مواقع عديدة مثل المحليات خاصة محلية الخرطوم. وتبرز اكبر معاقل الفساد في ما يعرف بالتجنيب، وهو  التحصيل والصرف خارج الميزانية العامة للدولة بتشجيع من الرئيس السابق عمر البشير، مما اصاب الدولة بالعجز الدائم في ميزان المدفوعات، وجعلها تتجه صوب القروض المشروطة.

وتتجه انظار رأس المال العالمي الى السودان للدرجة التي استعانت فيها الحكومة بشركة عالمية متخصصة لوضع خارطة استثمارية لمواجهة الطلب المتزايد من الشركات العالمية، خاصة في مجال النفط والبنيات التحتية والكهرباء وغاز الطبخ وانتاج الكهرباء، بما يأخذ موضوع الفساد بعين الاعتبار. ويعتقد اباطرة السوق الحرة من مليارديرات راس المال المعولم، ان الاثار الاجتماعية المترتبة على رفع الدعم وتعويم الجنيه السوداني، لا يمكن مواجهتها والحد من مفعولها في ظل الفساد والترهل الاداري. والى جانب المساعدة في محاربة الفساد يدفع البنك الدولي باتجاه المساعدات الاسرية في حدود 5 دولارات للأسر الفقيرة الواحدة.

ومن المتوقع قيام تحالف جديد غير معلن بين من افسدوا في العهد السابق وراكموا رساميل من استحلاب ثدي الدولة، وهم يستعدون لدخول دورة رأس المال الثانية متمثلة في الاستثمار، وبين النظام الجديد الذي يفتح افاق التعامل مع المؤسسات الدولية بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب  واسترداد الدولة للحصانة السياسية، وفقاً لقرارات الكونغرس الامريكي الاخيرة.

وربما يقود هذا تدريجياً الى خفض حدة المواجهات بين الحكومة الانتقالية وراسمالية النظام القديم، التي تجد نفسها الان  في وضع مريح جداً. ومن جانبها ربما لا تجد الحكومة نفسها مضطرة لملاحقة الذي افسدوا في الماضي ولا تتوفر بينات على فسادهم. لذلك تنادي اصوات كثيرة داخل السلطة نفسها بوقف نشاط “لجنة مكافحة الفساد واسترداد اموال الدولة” وتحويلها الى مفوضية لمكافحة الفساد. وقد وقعت مشادات بين اللجنة والمكون العسكري وصلت الى درجة فتح بلاغ من قبل رئيس مجلس السيادة ضد احد اعضاء اللجنة، الذي اتهمه باطلاق سراح حرم الرئيس السابق المتهمة في قضايا فساد.

عرض مقالات: