مع تجربة الجبهة الوطنية مع حزب البعث العراقي عام 1973 وكما أطلق عليها الشهيد ابو كاطع (الجبحة الوطنية) واصلت السلطة البعثية اعتقال الشيوعيين بتهمة خرق ميثاق العمل الوطني والنشاط داخل القوات المسلحة، وصدرت بحقنا أحكام قاسية بالإعدام والسجن المؤبد، وكنا في الاعوام 1975- 1978 وهي أعوام الجبهة ننتظر محاكمتنا في محكمة الثورة سيئة الصيت وكنا يومها أكثر من مائة وخمسين شيوعياً بين جنود مكلفين ومراتب وشرطة ورياضيين ومدنيين، وكانت زنزانات الإعدام في «أبو غريب» تضم الكثير من الشيوعيين المحكومين بالإعدام وينتظرون مواعيد التنفيذ.

وفي مطلع عام 1976 وكنا في معتقل الأمن العامة جيء بمواطن معتقل غريب المظهر حيث كان ذا لحية كثة ويرتدي سروال (كابوي) وأبلغنا رجل الأمن بعدم الحديث معه، ولكننا ومن باب الفضول كنا نتوق للحديث معه، وبعد أقل من ساعة تعرفنا على هذا الشخص وكان تونسياً لاجئا في فرنسا ومعارضا للرئيس التونسي يوم ذاك الحبيب بورقيبة، وقد قال لبعضنا إنه يساري ماركسي ومعارض للنظام التونسي، وإن حاكم تونس يومها طلب من الفرنسيين إبعاد معارضي نظامه عن فرنسا لأن نشاطهم يضر بدولته. وهنا طلبت الحكومة الفرنسية من معارض بورقيبة، مغادرة فرنسا خلال 48 ساعة، وقال هذا المناضل التونسي إنه اختار العراق لأن نظامه فيه جبهة وطنية ووزراء في الدولة من الشيوعيين وفيه حرية سياسية وعليه تم اختياري للعراق.

وهنا تحدثنا معه عن الأحداث الجارية عندنا في الساحة العراقية والسعي لمحاصرة الأفكار التقدمية وضربنا له مثلاً بأننا أكثر من ستين شيوعياً معتقلين ولدينا محاكمات بتهم ملفقة وباطلة. تعجب الشاب من هذا الحال واستدعي في اليوم التالي وغادر. وفعلا حصل تراجع رهيب في المسيرة ونصبت المشانق وفتحت السجون أمام القوى الوطنية والديمقراطية وانشغل الوطن بحروب عبثية.

اليوم تذكرت هذا المناضل التونسي عندما ضامه الضيم والتجأ إلى العراق لأن فيه حكومة جبهة وطنية ووزراء شيوعيون فأعتقد أن الواقع العراقي كان سليماً والحكومة متوازنة لا تغمط حق شعبها فجاء مسرعاً إلى بلده الثاني ولم يتوقع ما شاهده من حقائق.

وعليه أصبح انسحابنا من الانتخابات البرلمانية لأننا لا نريد أن نصبح مرة اخرى غطاءً للفاسدين والطائفيين والانتهازيين والوصوليين.. إننا مع التجربة الديمقراطية التي يريدها الشعب ولا مكان فيها للتهديد بالسلاح المنفلت والمليشيات المسلحة ولا مكان للمال السياسي ولا التلاعب وتزوير الانتخابات، فالوطن شاهد علينا، ولا نريد ان نكون شهود زور ونقلب الحقائق ونخسر تاريخنا وتضحياتنا ونضالنا، وكما ورد في بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي : « وبهذه المناسبة نهيب بمنظمات حزبنا ورفاقه واصدقائه أن يعملوا بنشاط على تفعيل الحراك الجماهيري وتصعيده وتنويع أساليبه السلمية في مواجهة التحديات والانفتاح على أوسع الجماهير والسير في طليعتها دفاعا عن حقوقها وحرياتها من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية».

عرض مقالات: