لا اتفاق على الأصل اللغوي لكلمة “جراوية”. يذكر العلامة مصطفى جواد بأن ( الجراوية ) كلمة محرفة عن الكروية نسبة إلى الكرة نتيجة دورانها حول الرأس. اما السيد عبد الكريم العلاف فيذكر أنها سميت جراوية نسبة الى جرو العبد وهو رجل من محلة الحيدر خانة، ولا نميل لهذه الفكرة قطّ. يقال عادة بأن الجراوية بغدادية، لكنها لفة عراقية يمتد حضورها من المناطق الشمالية في كردستان العراق ومدينتي طوز خورماتو وكركوك إلى بغداد، وكان للتركمان دور كبير في انتشارها في بقية المدن والمحافظات العراقية.

ومهما يكن الأصل اللغوي الذي قد يشير إلى أصل ما للجراوية، فإنها عبارة عن يشماغ أبيض مخطط بالأسود، يُلف ويُبرم حول العرقجين (هذه الكلمة من أصل تركماني بالأحرى)، لها خصوصية مناطقية وقومية ولونها في كردستان العراق يختلف عنه في بغداد وجنوب العراق.

غطاء الرأس العراقي هذا (جراوية)، نجده في رسوم ومنمنمات كثيرة منجزة في القرن الثالث عشر الميلادي ما يليه. ولكننا نجده بوضوح في رسوم الواسطي (منجزة عام 1237م) التي نختار منها منمنمة (دفن ضحية الطاعون)، محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية، باريس، (تحت رقم 5847 عربي).

 أما الصورة الفوتوغرافية المجاورة فهي من مقهى بغدادي عام 1933م. لا نرى أن الألف عام التي تفصل بين المنمنمة والصورة قد غيّرت شيئا مهماً من طبيعة هذا الغطاء.

هذه الجراوية تظل تظهر في المنمنمات الفارسية، وخاصة العثمانية اللاحقة، كما في أعمال القرن الخامس عشر الميلادي في تركيا العثمانية. ولكنها تظهر أحيانا بعلامة في وسطها، قد تكون علامة على مهنة الفرد أو أهمية الشخصية. ففي كتاب (الجراحة الملكيةCerrahiyetü’l Haniyye ) للجرّاح شرف ‌الدین صابونجی ‌أوغلی (1385 - 1470م) نهاية القرن الرابع عشر الميلادي - بداية القرن الخامس عشر الميلادي، المكتوب بالتركية عام 1465م، ثمة الكثير من الرسوم لفن الجراحة، ويظهر جميع الجراحين وهم يعتمرون (الجراوية) ذاتها.

النتيجة أن رسم الواسطي قد يشير من جهة إلى أصل سلجوقي (أي تركي قديم) للجراوية، وقد يفسّر شيوعها في مناطق العراق ذات الثقافة التركمانية وما يجاورها. ومن جهة أخرى فأن جميع النساء الظاهرات في منمنمة الدفن هذه نفسها (وهنا دليل آخر على الأصل السلجوقي للجراوية) يظهرن بثياب وتسريحات واكسسوارات سلجوقية متكررة ومعروفة في الرسم والخزف السلجوقيين في جميع أنحاء المنطقة منذ تلك الفترة. لعل لفّ جراوية شخصيات الواسطي أكثر تعقيدا فقط من لفة جراوية عامة العراقيين المعاصرين.

وهذا الأمر يطرح بقوة الأصول الأثنية للواسطي، فالواسطي كما اختطّ اسمع بقلمه لا يدل على أنه عربي قح؟ “يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن كرويها الواسطي”. لاحظ (كرويها) وهذا اسم ليس عربياً قط، لا نعرف اشتقاقه للأسف. في العصر العباسي - وقبل ظهور فكرة القومية الحديثة - كانت الفضاءات الثقافية متداخلة. إن الهوس الحالي بفصل الفضاءات الثقافية المكوّنة للعالم القديم يتوصّل جوهريا للأوهام، ويقدّم من دون أن يدري “وعيا قومانياً” مستتراً وبالمقلوب. الواسطي دون شك فنان (عراقيّ) كبير، مهما كانت أصوله. لا أحد يزعم اليوم من معاصرينا أنه من أصول عرقيّة صافية، ولا رافدينية قديمة (حتى لا أقول عربية، فهذه بداهة). الفضاء الثقافي الرافديني ثم العربي اختلط منذ وقت طويل بفضاءات الشعوب المجاورة، الترك والفرس والهنود وحتى الصينيين، محتفظا بسمات له وعلامات تقاطع مع غيره. سوى ذلك لا يمكن إلا تقديم تفسير تلفيقيّ لاسم (كرويها) ولأي ثقافة محلية، عراقية وشامية ومصرية ومغاربية.

عرض مقالات: