صدرت الطبعة الأولى من كتاب الدولة العقيمة عن دار المدى، 2021 للوزير السابق د.حسن الجنابي. ونبدأ من عتبة العنوان التي جسدت الموضوع بشكل واضح: “الدولة العقيمة”، وقد عكست التسمية جوهر ما جرى في العراق من عقم على جميع المستويات من 2003- 2021. واستطاع تجسيد العقم  في الدولة وكيفية التخلص منه، طامحة بالإفادة من تجارب عالمية، وفي المدخل  ربط بين العهد الدكتاتوري البائد وعهد الاحتلال الأجنبي، موضحا مساوئ العهدين .

ويطرح الكاتب استنتاجا غاية في الأهمية  عن الاحتجاجات التي تعاظمت  في 2011 أيام حكومة السيد نوري المالكي وصولا إلى الاحتجاجات  في 2019 وما بعدها فيقول: “إن  القامعين  أو على الأقل بعضهم كانوا بالأمس القريب من معارضي نظام صدام المعروف بقمعه الوحشي لأي شكل من أشكال  الاحتجاج ...” ويبدي استغرابه من معارضة الأمس وهم ينفذون الأفعال الشنيعة، والقتل العلني بالشباب المنتفضين.

وباعتقادي شخصيا أن العقم قد بدأ عند تشكيل أول حكومة  على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية  ولن ينجو العراق من هذا المأزق إلا بالتغيير الجذري ووحدة العراق، وبمساواة جميع أطيافه في الحقوق والواجبات، تحت خيمة الدولة المدنية الديمقراطية .

ومهد الكاتب لتجربة السيد العبادي الذي على حد قوله أحدث قطيعة بينه وبين حكم السيد المالكي وأول قرار ايجابي  اتخذه هو الغاء نواب رئيس الوزراء ونواب رئيس الجمهورية ، دون فسح المجال للمناورة وأشاد بالقرارات الإصلاحية التي اتخذها وحققها ومنها اقالة عدد من الصقور والنجاحات التي حققها عسكريا والتجديد بحكومته.

وكتب عن مشاعره وموقفه من الترشيح للوزارة وكثرة الدعوات التي تلقاها لغرض الترشيح وكان معتزا بتشجيع المفكر الراحل فالح عبد الجبار.

   وذكر كلمة ثناء بحق السيد  مقتدى الصدر الذي أقدم على التحالف مع الشيوعيين والعلمانيين في تحالف “ سائرون” متجاوزا الخلاف الفكري والسياسي. كذلك أثنى على الحزب الشيوعي العراقي “ الذي  تجاوز في ذلك التحالف  محددات وعوائق فكرية وسياسية راسخة” حسب رأيه. وفي الحقيقة أن الحزب كان في كل تحالفاته يحتفظ  باستقلاليته الفكرية والسياسية والتنظيمية، وفي حال مساس اي تحالف بهذه المبادئ الثلاثة فانه لا يبقى ضمنه.

وعن حكومة العبادي أدلى الكاتب بشهادة علمية وصريحة ودقيقة جدا، “ استمر تغوّل الكتل والأحزاب، ولم يستطع السيد العبادي الفكاك منها. تعززت لدي فيما بعد ومن مراقبة أدائه عن قرب بعد دخولي عضوا في حكومته، بأنه كان قد اكتشف مبكرا عجزه عن التحرر من شراك الأحزاب والمحاصصة. ومع كل المساومات  لم ينجح في اقالة نواب رئيس الجمهورية ، لأن القضاء عدها غير دستورية.

وتناول  تجربته كرئيس لجنة تنفيذية لإدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي  وأشار إلى الإهمال المتعمد لهذه  المنطقة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ومشيرا  إلى عدة دراسات قيمة لكتاب عراقيين وأجانب،  أشادوا  بالقيم الاقتصادية، والتاريخية، والتراثية والثقافية  والاجتماعية إلى جانب تكريس الافكار المتخلفة والاستعلائية الناتجة عن النظرة الاقطاعية . ودور النظام السابق ومحاولاته لتجفيف تلك المساحات المائية لمنع المعارضة من اللجوء إليها لغرض النضال ضد النظام القمعي...     

        وكرس الكاتب الفصل الرابع للدولة العقيمة موردا كثيرا من الشواهد تمثل صراعات وخبايا بين المتنفذين: الخصومات والصراعات والتصرفات التي لا تمت بصلة  لمسؤولياتهم، فضلا عن التعالي والاستبداد  وغيرها من الصفات التي لا تنسجم مع مهنية إدارة الدولة.

وأكثر الحديث عن الإنجازات العسكرية في مقارعة داعش واحتلالها للمدن العراقية ... وأشار إلى الكثير من الهنات والسقطات التي رافقت حكومة السيد حيد العبادي  إلا أنه لم ينس الإيجابيات: فكتب  أن السيد العبادي “كان يقوم بنفسه بتصميم الموازنات الحكومية مع مساعدة شكلية من بعض الموظفين في وزارة المالية”  وعند استلامه للوزارة كان في ميزانية الدولة (600مليون دولار) وعند تسليمها لعادل عبد المهدي كان في  خزينة الدولة (17 ترليون دولار)، ومن جانب آخر أن المدة التي حكم فيها السيد العبادي كانت الحرب دائرة ضد داعش وتحسب له إعادة الأراضي العراقية لسيطرة الدولة.

     وتم تشخيص دقيق للفوضى في الأداء الحكومي والإداري في مجالات عديدة منها قرارات نقل الصلاحيات من المركز إلى المحافظات ونسب انجاز المشاريع المتدنية وشلل العلاقة مع المحافظين والتحالفات المتحركة اللامبدئية، مبنية على اساس  المصالح الضيقة لجهات وأفراد، وليس على أساس البرامج الحزبية والسياسية  وهذا دليل آخر على عقم أداء الدولة . وحدد الكاتب سبب التلكؤ في تنفيذ المشاريع الذي يعود إلى: انعدام التمويل والفوضى الإدارية إلى جانب أمور أخرى ذكرها السيد د. حسن الجنابي في كتابه.

وركز الكاتب على المشاكل المزمنة  التي لا يمكن تجاوزها  وإذا نجحت  الحكومة بمعالجة  احتلال داعش  للأراضي العراقية ، إلا أنها لم تنجح في محاربة الفساد المستشري على الرغم  من تبنيها لهذا الملف: “فالفساد إذن ليس فقط  بالأموال والصفقات التجارية، وهي أكثر أنواع  الفساد وقاحة، بل كذلك في عرقلة العمل الحكومي “  وعلى رغم التصريحات لغالبية المتنفذين عن امتلاك ملفات فساد لشخصيات نافذة في الحكم إلا أنهم لم يقدموا ملفا واحدا خلال سنوات حكمهم . ويتوصل الكاتب إلى أن طبيعة النظام العقيم للحكم سوف لن يسمح بتقديم هذه الملفات لا اليوم ولا في أي زمن قادم، من دون التغيير الجذري لنظام الحكم.

وكرس الكاتب فصلا بكامله عن مشاكل البصرة؛ هذه المحافظة الكبيرة وبخاصة  احتياجها إلى ماء الشرب، إلى جانب الاحتياجات الكثيرة؛ ومنها معالجة البطالة والبنى التحتية والخدمات وسيادة المجاميع المسلحة  خارج القانون،  فضلا عن المشاكل التي تعاني منها محافظات العراق جميعا بتفاوت ليس كبيرا، وتوسع  في القضية الأولى  وامكانية حلها مشيرا إلى البديل القديم وهو الاعتماد على قناة البدعة، بعد ثبت عدم صلاحية مياه شط العرب للشرب وذكر ثلاثة أسباب لعدم صلاحيته ( زيادة الأنشطة البحرية والصناعات المتعلقة بها... كثرة الغوارق من البواخر والسفن والقطع البحرية بسبب الحروب... الصناعات النفطية وما يرافقها من أعمال أنشطة لا تلتزم بالمحددات البيئة نتيجة للحروب...). ويؤكد الكاتب أن حل مشكلة ماء الشرب في البصرة  هو “اتخاذ قرار لا رجعة فيه بتحلية  مياه البحر”. بعد تلوث ماء شط العرب  بشتى أنواع القذارات التي تصب فيه.

     وتناول في فصل آخر  جميع الملابسات التي مرت على سد الموصل منذ احتلال داعش والذي  بقي في أيديهم سنتين وحاول الكاتب اعطاء صورة واضحة، وما  يتطلب  من حماية وصيانة لكي يجري الإفادة منه بشكل جيد، بعد أن تجاوز عمره السبعين عاما، وبعد مفاوضات  بين فيلق المهندسين الأمريكيين المشرف، وشركة تريفي الايطالية، فضلا عن الكادر المتخصص لوزارة  الموارد المائية. استقر السد بعد إجراء الصيانة اللازمة. ولكن لم تنقطع الدعاية باحتمال انهيار السد (كلام الصحافة وغير المتخصصين).

أخذ الكاتب منحيين في كتابة تجربته: الأول الجانب السياسي وقد استعرضنا ما تيسر من معلومات وحقائق بشأنه. والآخر يتضمن جانبا مهنيا يتعلق بالموارد المائية وتدويرها بين المحافظات وبخاصة البصرة .. وربط النقطة الثانية واخفاقاتها بالعقم في إدارة الدولة.

اعتقد أن هذا الكتاب مهم جدا وموضوعي، وقد كشف عن كثير من الأمور التي تدور في كواليس الحكومات المتعاقبة  في العراق،  وهو جدير بالقراءة والتأمل .

عرض مقالات: