هناك قضايا يُروَّج لها هذه الأيام لتبرير التمسك بالمحاصصة، وهي ليست بالجديدة. فالمحاصصة المكوناتية ادخلها الاحتلال، واستمرأتها قوى معينة ، وطبلت لها وزمرت وما زالت عناصر وجدت فيها ضالتها لتحقيق مصالحها الضيقة والانانية . 

وهنا يجري خلط متعمد بين المكون وبين من يدعي تمثيله. وواقع الحال ان هناك حتى في داخل المكون الاجتماعي الواحد تعددية وتنوعا فكريا وسياسيا . والدليل على ذلك هذا التنافس الذي جرى ويجري الآن على ترشيح رئيس الجمهورية. فكل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني له رأي وموقف ومرشح، فاي منهما ياترى يعبر عن مصلحة الشعب الكردي ؟ والكل يعلم انه لم يجر ، مثلا ، استفتاء لتسمية من يمثل الإقليم  كمرشح لرئاسة الجمهورية . 

وهكذا الحال بالنسبة الى من يدعون تمثيل الشيعة. فالخلاف والتقاطع واضحان بين الاطار التنسيقي، وهو مجموعة قوى وشخصيات سياسية، وبين التيار الصدري، وان ما حصل بينهما حسب المعلن من الطرفين، هو خلاف على طريقة إدارة البلاد. فالاطار يقول باعتماد التوافق، ما يعني التمسك بالمحاصصة التي يعرف الجميع مساوئها جيدا، في حين  تمسك السيد مقتدى الصدر والتيار الصدري بمفهوم الأغلبية الوطنية. فأي رأي  يمثل المكوّن الشيعي هنا ؟  فيما التظاهرات التي اندلعت وتتواصل في محافظات الوسط والجنوب، إضافة الى نتائج انتخابات ٢٠١٩، تحمل مؤشرات ودلائل أخرى غير ما تقول به الأطراف التي تدعي تمثيل المكون - الطائفة . 

وليس بعيدا عن هذا واقع “ الأطراف السنية “ التي تقول انها تمثل أبناء المناطق الغربية والشمالية واحيانا يقال المحررة او المدن  المتضررة من داعش ، فهناك توجهان اساسيان، الأول هو توجه تحالف  السيادة الذي كان ضمن التحالف الثلاثي قبل انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، والآخر هو توجه تحالف عزم الذي كان وما زال ضمن الاطار التنسيقي، مع الإشارة الى حالة انتقال تحصل من طرف الى اخر، وهي ليست بالامر الجديد. والسؤال أيضا: أيّ من الطرفين يمثل المناطق المدعى تمثيلها؟ 

نعم، من اشرنا اليهم أعلاه هم قوى سياسية لها مواقفها وبرامجها وممثلوها، وتقول انها تمثل هذا المكون او تلك الطائفة، لكن الشارع وأوسع استفتاء جماهيري جرى في انتفاضة تشرين ٢٠١٩ ، لم يدعم هذا الادعاء . 

وعلينا التذكير بان هذه القوى لا تمثل جميع قوى العراق السياسية، وان بدت اليوم هي المهيمنة والمسيطرة. والعوامل عديدة، فهناك الأحزاب الوطنية والديمقراطية والحراكات  التشرينية والناشئة، بجانب تشكيلات أخرى مختلفة عابرة للطائفية، وهي كلها تسعى  لبناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الانكفاءات الفرعية والمناطقية الضيقة ،  وتسعى لجعلها تتسع لكل العراقيين من دون تمييز . 

وهناك خلط من نوع آخر عندما تجري إزالة الحدود بين الطائفة والطائفية. فالطوائف على اختلافها مكونات اجتماعية محترمة موجودة منذ مئات السنين، وما يجري الاعلان عن رفضه ومعارضته ليس الطائفة وانما المحاصصة الطائفية تحديدا، والتي حوّلت البلد الى كانتونات وأبعدت  مفهوم المواطنة. 

تبقى الاشارة الى ان القول بان المكون الأكبر تقصد به طائفة معينة  هو قول غير دقيق ويتعارض مع النص الدستوري المتعلق بالكتلة الأكبر عدديا وليس بالمكون. والكتلة هنا بمعناها السياسي طبعا، وهو المتعارف عليه في دول العالم التي يستند الحكم فيها الى دستور. وهنا يجرى إحلال ما تعارفت عليه القوى المتنفذة التي تتخادم فيما بينها لأجل مصالحها ونفوذها وسلطتها، فيما المحاصصة غدت وباءً وهي مرفوضة شعبياً وسياسياً.

عرض مقالات: